مواقف المواطنين في شرق الأردن مع الملك فيصل في سوريا عام 1920
اللواء الركن (م) الدكتور محمد خلف الرقاد
مدير التوجيه المعنوي الأسبق
تهدف وكالة النيروز من خلال هذه الزاوية " ذاكرة وطن " إلى إلقاء الضوء على محطات تاريخية سياسية وعسكرية من خلال استعراض ذاكرة الوطن السياسية والعسكرية ، وذلك لتعزيز الصورة الزاهية للتاريخ السياسي والعسكري للمملكة الأردنية الهاشمية وللثورة العربية الكبرى وللإنجازات الهاشمية منذ انطلاقة الثورة العربية الكبرى عام 1916م ولقيام الكيان الأردني بإنشاء إمارة شرق الأردن عام 1921م ، وذلك سعياً لترسيخ البعد الوطني لدى متابعيها الكرام ، والربط المتواصل بين الماضي والحاضر، ليكون هذا النشر إسهاماً فاعلاً وموصولاً في أداء رسالة الوكالة الإعلامية الوطنية في مجالي التاريخ العسكري والسياسي للمملكة ، ولتكمِّل الجهد الإعلامي الوطني من خلال المنظومات الإعلامية والتعليمية في أردننا الأشم .
وستركز " وكالة النيروز" على نقل قرائها ومتابعيها الكرام عبر صفحاتها في رحلة تاريخية سياسية عسكرية تثقيفية في إطار محاور إعلامية تعكس صوراً وأحداثاً وتاريخاً سياسياً وعسكرياً يعكس الشخصية الوطنية الأردنية ببعديها السياسي والعسكري ، حيث استندت هذه الشخصية منذ البداية على مباديء النهضة العربية الكبرى التي تزعّمها وقاد ثورتها المنقذ الأعظم الشريف الحسين بن علي طيب الله ثراه .
... كنّا قد تناولنا في الحلقة السابقة ( الحلقة 8) البيئة السياسية والعسكرية التي خيّمت على منطقة شرق الأردن منذ دخول قوات الثورة العربية الكبرى إلى دمشق عام 1918 م ، وحتى تأسيس المملكة العربية السورية والمناداة بالأمير فيصل بن الحسين بن علي ملكاً عليها في 7 آذار من عام 1920، ومن ثم وقوع الاشتباكات المسلحة بين القوات العربية وقوات الجيش الفرنسي في معركة (ميسلون) ، الأمر الذي أدّى إلى خروج الملك فيصل من سوريا ، وانتهاء هذه الدولة العربية التي لم تعمر طويلاً بسبب الأطماع الاستعمارية واتفاق دول الحلفاء على أن تكون سوريا منطقة نفوذ فرنسية بموجب اتفاقية سايكس – بيكو.
في ظل هذه الظروف السياسية والعسكرية ، كان للمواطنين في منطقة شرق الأردن مواقف مشرفة تجاه الحكم الفيصلي في سوريا ، فقد تنادى الأردنيون من مختلف مناطق الريف والبادية في شرق الأردن لنجدة القوات العربية في المملكة العربية السورية الجديدة لصد الهجوم الفرنسي على دمشق ، حيث تحركت قوة كبيرة ساهمت فيها العشائر الأردنية في عمان والقرى المحيطة بها ، وحينما وصلت هذه القوة إلى بلدة مزيريب جنوب دمشق ، كانت معركة ميسلون قد انتهت لصالح الفرنسيين ، فتدارست القوة وضعها ، ووجدت أنه لا فائدة ترجى من استمرارهم في حركتهم ، فتقرر أن يعود الجميع إلى قراهم وبواديهم ، في حين أن الفرنسيين بعد ميسلون لم يُقْدِموا على أية خطوة للتحرك باتجاه مناطق شرق الأردن ، كونها تخضع للانتداب البريطاني حسب اتفاقية سيكس – بيكو ، وبقي البريطانيون في منطقة شرق الأردن إبّان فترة الحكم الفيصلي القصيرة في سوريا ، وكان لهم معتمدون من الضباط الإنجليز في كل من السلط والكرك وجرش ، ولكن لم يكن لديهم أية صلاحيات أبّان قيام الدولة العربية ، ولم يتدخلوا بشكل مباشر أو غير مباشر بالأوضاع السياسية أو العسكرية، ولم تكن النظرة العربية إليهم نظرة عداء، كون بريطانيا كانت حليفة للعرب قبل أن تظهر على حقيقتها .
وبقيت منطقة شرق الأردن عقب خروج الملك فيصل من سوريا يوم 28 تموز 1920م متأثرة بالبيئة السياسة والعسكرية التي كانت مشحونة بالقلق والترقب والحذر ، واجتاح مصير المنطقة شيء من عدم الوضوح ، إلى أن أرسل علاء الدين الدروبي رئيس وزراء سوريا الجديد في ظل الانتداب الفرنسي بلاغاً في 10 آب 1920م - عمّمه على الحكام الإداريين ومنهم متصرف الكرك – طلب فيه من الأهالي الالتزام وعدم إثارة الفوضى والفتن ، والتقيد بالتعليمات التي تصدرها حكومته، فما كان من قائم مقام معان آنذاك إلّا أن رفع العلم الفرنسي على دار الحكومة ، فبادر عودة ابو تايه إلى نزعه وقام بوضع القائمقام في السجن .
بعد أن انتهت الحكومة العربية في دمشق ومغادرة الملك فيصل سوريا ، وفك الارتباط بين الحكومة العربية في سوريا وبين منطقة شرق الأردن ، أرسل هربرت صموئيل المندوب السامي البريطاني في فلسطين برقية إلى الملك فيصل - ولكنه خاطبه فيها بصاحب السمو الملكي الأمير فيصل – أبلغه فيها ميل الحكومة البريطانية إلى تعيين عدد من الضباط الإنجليز لمساعدة الأهالي على تنظيم حكومتهم ووسائل الدفاع عنها ، حيث دعا المندوب السامي البريطاني زعماء البلاد من عجلون شمالاً إلى الطفيلة جنوباً إلى مقابلته في السلط للتشاور معهم ، وليفهمهم بأن فرنسا قد استقرت في سوريا ، وأن بريطانيا تريد مساعدتهم ، وبالفعل اجتمع يوم السبت في 21 آب 1920 م بحوالي (600) شخصية من شرق الأردن ، وأوضح لهم بأن بريطانيا لا تقصد إلحاق المنطقة بإدارة فلسطين ، بل ترغب تأسيس إدارة منفردة في شرق الأردن بمساعدة الضباط الإنجليز المعتمدين لدى بريطانيا في شرق الأردن .... لكن على أرض الواقع فإن المندوب السامي بخطابه هذا أحل الحكم البريطاني محل الحكم العربي ، وانتهى الاجتماع ، وانفض المجتمعون ما بين مدرك للوضع وساخط عليه ، وبين من لم يستطع إدراك أي شيء من معاني الانتداب الجديد .
وإثر هذا الاجتماع قامت ثلاث حكومات في شرق الأردن في كلٍ من الكرك والسلط وإربد ، وكانت كل حكومة تخضع لإشراف ضابط إنجليزي أُطلق عليه مسمّى ( المعتمد البريطاني) ، والذي يشكل مرجعاً للحكومة التي يشرف عليها وموجهاً لها .
لكن مع تشكيل هذه الحكومات ظل الوضع مضطرباً ، وبرزت حكومات جديدة انشقت على الحكومات التي اعتمدها الانتداب البريطاني، وتعددت أنواع وأشكال هذه الحكومات ، حيث لم تتمكن هذه الحكومات الضعيفة من السيطرة على المناطق التي أُنشئت فيها .
وفي ظل هذه الظروف تمكن عدد من الوطنيين في سوريا والعراق من اللجوء إلى منطقة شرق الأردن فراراً من الأحكام التي فرضتها سلطات الانتداب الفرنسي في سوريا .
وبقي الأردنيون والعرب السوريون في تداول مستمر لأمورهم السياسية والاجتماعية في ظل بيئة عدم الاستقرار المستمرة إلى أن استقر أمرهم على التواصل مع الشريف الحسين بن علي في الحجاز ، فأبرقوا له يطلبون فيه إيفاد أحد أبنائه لشرق الأردن ليتزعم حركة المقاومة للاحتلال الأجنبي الذي أخذ يتبلور على شكل قيام حركة شعبية حاول الإنجليز وحكومة السلط التي تأتمر بأمرهم وقفها، لكن لم يتمكنوا من وقف حماس الأهالي ورفضهم للواقع الجديد .
وهنا لا بد من العودة إلى ما سجله جلالة المغفور له الملك عبدالله الأول ابن الحسين في مذكراته حيث يقول : " ثم حدثت حوادث الشام ، وخرقت فرنسا حرمة الحق والعهد بالهجوم على سوريا وبالتسبب بخروج الملك فيصل بن الحسين منها ( والمقصود هنا معركة ميسلون ) ، ثم حدث ما حدث للوزراء السوريين الموالين لفرنسا في درعا ، وطلب أهل الإخلاص من المشتغلين في القضية العربية في سوريا إرسال من ينوب عن الملك فيصل من الشخصيات الملكية في البيت الهاشمي ، فاستأذنت والدي – والحديث هنا لسمو الأمير عبدالله بن الحسين بن علي – وطلبت منه أن يُحمّلَني تبعات هذه الحركة شخصياً، فأذِن لي ، فتوجهت من مكة المكرمة إلى المدينة المنوّرة ، ومنها بالخط الحديدي إلى معان فوصلناها بعد شهر " .
وقد وصل سمو الأمير عبدالله بن الحسين بن علي إلى معان في 11 ربيع الأول 1339 للهجرة الموافق 21 تشرين الثاني 1920 للميلاد ، حيث ما زالت معان في تلك الفترة تتبع للحجاز ، وقد استقبله الأردنيون الذين وصلوا إلى معان بما فيهم أهالي مدينة معان بكل حفاوة وتقدير وحماسة .
وبمجرد وصوله وجّه نداءً إلى أبناء الوطن السوري ضمّنه تنديداً باعتداء الفرنسيين على الحكومة العربية ، وإشادة بوقفة العرب السوريين ، وإنه جاء مع أول الملبين لنداء العرب من سوريا للمشاركة في الدفاع عن الوطن السوري وطرد المعتدين منه ، كما جاء في البيان : " ليعلم من أراد إهانتكم وابتزاز أموالكم ، وإهانة علَمِكم واستصغار كبرائكم أن العرب كالجسم الواحد إذا شكا طرف منه اشتكى كل الجسم ، وأن الله سبحانه وتعالى لم يترك الأمة سدى ، متفرقة مفتونة بالباطل ، مغرورة بالكذب وواهن القول " ، كما أوضح البيان هدف سمو الأمير من قدومه إلى معان ، وهو تخليص أبناء سوريا من قيود الاستعمار الجديد ، ودعا سموه في بيانه كل السوريين للحياة والذب عن الوطن ، وعدم الإصغاء إلى الشكوك والدسائس التي تفل العزم وتبدد الحميّة .
ثم أرسل للنواحي بأنه نائب ملك سوريا ، وأصدر صحيفة "الحق يعلو" ، ودعا أعضاء المؤتمر السوري للحضور إلى معان ، وكذلك كل ضباط الجيش السوري ومجنديه ، وقد لاقت دعوته استجابات سريعة ومشجعة من شيوخ القبائل والعشائر في شرق الأردن والتي تضمّنت دعوته للقدوم إلى عمان ، وبالفعل غادر يوم 28 شباط معان قادماً إلى عمان ، فوصلها ظهر اليوم الثاني من آذار 1921 ، وسط ترحيب من القبائل والعشائر الأردنية من البلقاء وبني صخر والحويطات ، وعشائر شمال الأردن وشيوخ من البادية والطفيلة والكرك ، واجتمع الناس في يوم الثالث من آذار مرحبين بقدوم الأمير الهاشمي الذي خاطبهم مرحباً بقوله : " وإذا جاء الوقت لاستعمال ما تستعمله الأمم من القوة ، ووجدنا أنفسنا ضعفاء في العدد والعدة ، فلن يضيرنا أن نموت في سبيل شرف الوطن والأمة ، فأنا لا أريد منكم إلا السمع والطاعة ، وما جاء بي إلى هنا إلّا حميتي وما تحمله والدي من العبء الثقيل ، ولو كان لي سبعون نفساً ، وبذلتها في سبيل الأمة ، لما عددت نفسي أني فعلت شيئاً " .
وبدأ سمو الأمير يوحد صفوف الأمة ، وبدأت الأوامر تصدر عنه في عمان بعد أن كان الناس يفتقدون الترابط ، ونادراً ما يتزاورون ، وكما قال سموه : " كانت البلقاء للبلقاء ، وعجلون ولواؤها لعجلون وأهله، والكرك والطفيلة كذلك ، فجمع كل النواحي وأزال عنها الخلافات والتف حوله الأردنيون بحضرهم وبواديهم.