العجيب الغريب بأن المقربين مني بعد كل هذه السنوات لم يدركوا بعد كغيرهم من كبار السن أصحاب الحكمة والبصيرة عن سبب الكتابة والرسائل التي أريد توصيفها للقارئ ، في المقابل أجد كبار السن يدركون إدراكا تاما مغزى ورسائل جميع ما اتناوله من مواضيع حساسة و قصص ومقالات أثرت في القارىء و المتابع، لما يدور حولنا من أحداث وقضايا تدمي القلب ، و تدمع العين ، و تجعل القارىء في حالة من الاستغراب و التشويش، خاصة إذا علم أن هذه المقالات قصص حقيقية أسردها للعبرة ، وليست مجرد قصص أذكرها لكم من أجل التسلية أو الشهرة ، أو أن يقال: هذا الكاتب أسلوبه جميل ، واستخدم كلمات رائعة ....الخ ؛ إن هذا الكلام أكبر وأعظم من تلك المسميات و الأحداث التي اتناولها واربطها بحادثة حقيقية حدثت معنا كنوع من التوثيق والمقارنة والتشويق .
لا اخفيكم سرا أن ابنتي الصغيرة تضايقت وهي تشاهدني أصور طعام الغذاء ، فقد قالت وهي تشتاطُ غضبا : انشرهن على مواقع التواصل الإجتماعي وفرجي الناس أنك فقير يا حرام ما بنوكل دجاج ولا لحم خليهم يقولوا عنا مساكين فقراء بسخرية " ، لعل مصدر انزعاجها أنها تعلم أن والدها يجيد الحديث وتوصيل رسالته إلى كبار السن ، بينما ليس كذلك عند الجيل الحالي الذي يخطئ في التوصيف و سوف يخرج النص والرسالة عن مغزاها الحقيقي ، كما أنها تعلم أن أباها أيضا رغم أنه كاتبٌ وإعلاميٌ مغمور إلا أنه متابع من قبل الجميع دون إستثناء لذلك تخجل أن يشاهد الناس الطعام المتواضع الذي يتناوله أباها الذي يعرفه البعض بأنه صحفي حر وكاتب سياسي رغم أنه مقيد اليدين والرجلين وأحيانا القلم واللسان .
لعلها غضبها خوفا من تفسير النص وخروجه عن مساقه ويفسر بتفسيرات خاطئة ، فهي تعلم أنني أعشق الطبخ وكثير العلاقات الإجتماعية داخل الأسرة و خارجها فلا اترك مناسبة سواء فرح أم ترح إلا وأحضرها .
في المقابل هي تعلم أنني أشعر بالسعادة الغامرة عندما اتناول وجبة الغذاء مع المقربين ، للأسف بعد كل هذه السنوات لا تعلم فيما يدور في خلجات صدري من هموم و أوجاع عندما أشاهد الكثير من حالات الطلاق والتفكك الأسري في مجتمعنا بسبب ظروف عديدة أبرزها وفق إطلاعي هو فقر الزوج وعدم قدرته على مسايرة الكماليات المستحدثة التي ما أنزل الله بها من سلطان التي كلما بحثت في أمر مشكلة ما أو حالة طلاق يكون سببها الوضع الإقتصادي للزوج ، لقد تعودنا على الإسراف يا سادة ، لماذا لم نقتدي بأمهاتنا اللواتي غادرن إلى رحمة الله ولم يشبعن من الخبز الناشف ومع ذلك كنَّ في سعادة غامرة .
لقد تعمدت نشر هذه الصور لوجبة الغذاء التي تناولتها بعد عصر اليوم الخميس ، وسبب ذلك أن طفلتي الصغيرة دأبت على تناول الطعام من الخارج الذي أشتريه من السوق ، فقد أحضرت هذه المرة وجبة لجميع أفراد الأسرة ، عندما دعوني لكي اتناول الغذاء تذرعت بشرب الشاي بالخارج والعمل في الحديقة المنزلية بوضع السماد العضوي على الأشجار القريبة من البيت والقيام بعملية الري فقط ، لا اجاملكم أنا في العمل البدني ضعيف جدا بسبب أوجاع في منطقة الظهر أصاب بها وتشتد في فصل الشتاء ، أمضي الوقت في العمل الرسمي واقفا دون جلوس حتى أن زملائي في العمل يلحظون ذلك ، البعض متضايق من ذلك ، يقولون أن هذا بسبب المقالات الطويلة التي سردتها في الماضي وتستمر سردها في الحاضر ؛ ربما تنسى نفسك وأنت تكتب ، وقتها أرد عليهم بإبتسامة خجولة لشعوري أنهم محقون يقولون الحقيقة .
لقد طلب مني البعض بإلحاح الكتابة عن هذا الموضوع (الطلاق والتفكك الأسري ) لزيادته بصورة غير طبيعية في الآونة الأخيرة، فتذرعت بالخجل من هذه المواضيع التي لربما تدخل في باب الخصوصية المجتمعية ، وأنا كغيري من الآباء شعرت أن طفلتي تهوى تناول الطعام من الخارج وكثيرة الشراء ، بينما شقيقتها الأخرى لا تفعل ذلك ، حتى أنني في بعض الأحيان أجبرها على الشراء ، متذرعا أن الراتب نزل وأخذها معي عنوةً لشراء بعض الملابس لها ، بينما شقيقتها الأخرى دائمة الشراء رغم أنها صغيرة ولا تعلم في الحياه شيئا .
أخشى ما أخشاه أن تصبح عندها عادة حتى تكبر لربما تزوجت رجلا فقيرا لا يقوى على توفير قوت يومه ماذا سوف يفعل أمام طلباتها سوف يقف عاجزا مكسورا ، أردت من تصرفي وأنا اتناول الزيتون واللبن أن اغير من طبائعها و أن تشاهد والدها وهو يتناول الطعام البسيط لكي تجبل على التوفير على زوجها مستقبلا وعدم تذمرها في المستقبل من فقر زوجها وعوزه ، فقد وجدت معظم مشاكل الأسرة وتفككها بسبب عدم شعور الزوجة بالمسؤولية تجاه ظروف زوجها وهذا ما اردته بنشر الصور .
إن ما أكتب من مقالات سياسية وإجتماعية وتربوية تحاكي التاريخ لها مغزى مقصود ورسالة معبرة سامية ولا اقصد فيها إسترضاء الناس ومجاملتهم ، فبعض ما ارويه يؤثر في القاسية قلوبهم ، بينما لا يؤثر في آخرين وهم ثلة ارتموا في أحضان الضمير الغائب .
عندما أكتب عن الرعيل القديم على سبيل المثال أقصد من وراء ذلك مغزى و رسالة للجيل الحالي الذي لا يقدر الوالدين و لا الكبير ولا حتى رجالات العلم القدماء ، كما انها رسالة مفادها أننا نقدر الرعيل الأول والقديم الذين قدموا ما لم نقدمه نحن من إنجازات .
إن ما أتناوله في كتابتي من مواضيع اعتاد عليها القراء الأعزاء خاصة كبار السن الذين يقرأون المقالة وفق قولهم مرات عديدة ، أنه لأمرٌ غريبٌ عجيبٌ يأسر القلبَ ويحير اللب ، وكم هي الحياة قاسية صعبة حزينة كئيبة، ونحن نعيش زمن المظاهر والكماليات المتزامنة مع التفكك الأسري وحالات الطلاق الكثيرة والمشاكل اليومية التي نشاهدها كل يوم في مجتمعنا الإسلامي ويقف أهل الإصلاح حائرون عاجزون في إصلاح ذات البين والتوفيق بين الزوجين بسبب فلان ما بصرف عليها ، فلان ما بنقط أمها نقوط كويس في المناسبات والعيد ، فلان مابشتري لها مثل غيرها من نساء ، فلان ما بشتري لها طعام جاهز من الخارج، وفلان وفلان وتنتهي الحكاية بقصة طلاق يدفع ثمنها الأولاد .
لذا أرى من وجهة نظر عامة ، أنه لا بد من الحد من ظاهرة الطلاق، وأن يعي الشباب والكبار بأن البيوت قد تكدست بالمطلقات والعوانس، والحكمة مع تقوى الله والصبر ومعرفة المآلات التي تترتب على الطلاق عوامل مساعدة بإذن الله للحد منه.
كذلك لابد للوالدين أن يمتنعا عن التدخل في حياة الزوجين؛ فغالب الطلاق يحدث - مع الأسف- بسبب تدخل الأم في حياة ابنتها. قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "ليس للزوجة أن تطيع أمها فيما تأمرها به من الاختلاع من زوجها أو مضاجرته حتى يطلقها: مثل أن تطالبه من النفقة والكسوة والصداق ليطلقها، فلا يحل لها أن تطيع واحدا من أبويها في طلاقه إذا كان متقيا لله فيها" انتهى كلامه رحمه الله. كذلك تدخل الأخوات سواء أخوات الزوج أو الزوجة في حياة الزوجين سبب لإثارة المشاكل؛ فبعض أخوات الزوج تثير الأم على زوجة الأخ، وغالب ذلك بسبب الغيرة أو الحسد.
كذلك تثير بعض الأخوات أخواتهن ضد أزواجهن، وغالب من يفعلن ذلك نواياهن - والله أعلم – خبيثة، والحسد دافعهم، والشيطان للتفريق بين الزوجين .
ولا يفرح الشيطان بشيء كفرحه بالطلاق، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إن إبليس يضع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه، فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة، يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا، فيقول: ما صنعت شيئا، قال ثم يجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته، قال: فيدنيه منه ويقول: نعم أنت" (رواه مسلم).
فانظروا يا سادة كيف يفرح إبليس بالتفريق بين الزوجين حتى أن أتباعه الذين قد ينجحون في إشعال فتن وإراقة دماء لا يعتبرهم قد قدموا عملا مرضيا له بقدر ما يرضيه ذلك الشيطان الذي نجح في التفريق بين زوجين فصار مقربا منه؛ وذلك لأن فراق الرجل لأهله أقبح شيء. فلا يفرح بالطلاق من في قلبه خوف من الله وتقوى، والشيطان يفرح بالطلاق لما يترتب عليه من مفاسد .
لذا ياسادة جاء حديثي هذا لأنني للأسف استشعر صعوبة الظروف الإقتصادية للزوجين مستقبلا خاصة في إرتفاع جنوني لتكاليف الحياه من أجرة سكن وتعليم ومستلزمات البيت ، فهي فرصةٌ لتوجيه الأبناء من هذه اللحظة إلى التوفير والإقتصاد في كل شيء حتى يتعودوا على الحياه الصعبة في المستقبل ،وبذلك نكون قد نجحنا في حل مشكلة التفكك الأسري ومعالجة جذروه منذ الصغر ......!