لقد جئتُ إلى موقعِ الأمين العامِّ للحزبِ الشُّيوعيِّ الأردنيِّ، قبلَ حوالي سنة ونصف، في مناخات وحدة الشُّيوعيين.. جئتُ بنَفْسٍ مفعمةٍ بأحلامٍ كبيرةٍ عن الأشياء الَّتي يمكن أنْ أنجزُها للحزب مع مجموع الرِّفاق والرَّفيقات، وبأملِ أنْ نتمكَّنَ، بوساطة الحزب، مِنْ عملِ شيءٍ لنصرةِ قضيَّةِ شعبِنا وبلدِنا.
لكن، منذ اليوم الأوَّل، تبيَّن لي – مع الأسف – أنَّ تحقيقَ أيٍّ مِنْ هذه الأحلامِ إنَّما هو على درجةٍ كبيرةٍ من الصُّعوبةِ والتَّعقيدِ ويعترضُه الكثيرُ من العقبات.
ثمّ وجدتُني، كأمين عامّ، معلَّقاً في الهواء، على رأسِ حزبٍ مشلولٍ ومعطَّلٍ.. حزبٍ بلا هيكلٍ تنظيميٍّ يربطُ بين أعضائه، ويفعِّلُهم، وينسِّقُ أفعالَهم، ويؤهِّلُهم للتَّصدِّي للمهامّ الكبيرةِ.. المهامِّ الوطنيَّةِ والاجتماعيَّةِ الاقتصاديَّةِ الملقاةِ على عواتِقِهم؛ ووجدتُ أنَّ عددَ الرَّفيقات والرِّفاق الفاعلين، الَّذين يمكن الرّكونُ إلى تكليفِهم بأداءِ مهامّ حزبيَّة، قليلٌ جدَّاً.
ومهما فعلتُ، لم أتمكَّن مِنْ حلِّ أيِّ معضلةٍ مِنْ هذه المعضلات.
الحلولُ النَّاجعةُ، الحلولُ الَّتي تنسجمُ مع جوهر عمليَّةِ الوحدة، ممكنةٌ جدَّاً وبسيطةٌ، ويُفتَرَضُ أنْ لا يخسرُ بها أحد؛ لكنّ البعضَ يرفضُها رفضاً قاطعاً، لأنَّ مصالحَهُ الفئويَّةَ الضَّيِّقةَ أهمُّ لديه مِنْ مصلحةِ الحزب وقضيّته الوطنيَّة والقوميَّة والأمميَّة؛ ولذلك، فإنَّه يُفضِّلُ أنْ يتَّجهَ إلى الحسم، معتقداً أنَّ ذلك سيمكِّنه من الهيمنة المنفردة على الحزب.. حتَّى لو على حُطام!
الرَّفيقات والرِّفاق الأعزَّاء،
نحن نلفُّ وندورُ في دائرةٍ مغلقةٍ؛ وما دمنا مستسلمين لهذه الحالةِ العبثيَّةِ، فلا سبيلَ للوصولِ إلى أيِّ حلٍّ أو مخرج.
وبناء عليه، وانطلاقاً مِنْ شعوري بالمسؤوليَّةِ تجاه الحزب، وتجاه رفيقاتٍ ورفاقٍ أعزَّاء تكرَّموا عليَّ بمنحِ ثقتِهم الغاليةِ لي، وتجاه أصدقاء ومواطنين متعاطفين مع هذه التَّجربة الَّتي خضناها، ولأنَّني تحمَّلتُ المسؤوليَّةَ في ظروف وحدة الشُّيوعيين وساهمتُ بإنجازِها بفعاليَّة ولا أُريد أنْ أتحمَّل المسؤوليَّةَ عن توجُّهاتٍ وخططٍ خطيرةٍ تتصدَّرُ الآن.. توجُّهات وخطط أرى أنَّها ستضربُ هذه الوحدةَ في الصَّميم وستدمِّرُ الحزب وتخرجه مِنْ ساحة العمل السِّياسيّ، فإنَّني سأُبادر بالقيام بما يتوجَّب عليَّ القيام به إزاء هذا الوضع. وأقلّ ما يجب أنْ نفعله، في هذه الحالة، كقيادة، هو أنْ نقدِّمَ استقالاتِنا مِنْ مواقعِنا، وأنْ نخلي السَّاحةَ لانتخابِ قيادةٍ جديدة.
والحال هذا، فأنا، قبل أنْ أطلبَ مِنْ غيري، أبدأ بنفسي، فأُعلنُ استقالتي مِنْ موقعي كأمين عامّ للحزب، وأتقدَّمُ بها إلى اللجنة المركزيَّة، راجياً قبولها..
وللرِّفاق الآخرين: نائب الأمين العامّ، وأعضاء المكتب السِّياسيّ، أنْ يقرِّروا بأنفسِهم الموقفَ الَّذي يرونَه مناسباً في إطار قيمِهم وأخلاقِهم وشعورِهم بالمسؤوليَّةِ وتعبيرِهم عنها.
عندما تصلُ قيادةٌ ما إلى طريقٍ مسدودٍ، وتفشلُ في إيجادِ الحلولِ المناسبةِ، فإنَّه لا يمكنُ لأحدٍ فيها أنْ يتنصَّلَ من المسؤوليَّةِ عن هذا الفشل؛ ولذلك، فأقلُّ واجبٍ يقعُ على عاتقِ مثلِ هذه القيادةِ، في مثلِ هذه الحالةِ، هو أنْ تمتلكَ الشَّجاعةَ لتبادرَ بتقديم استقالتِها مِنْ مسؤوليَّاتِها القياديَّة؛ وهذا يقتضي أيضاً، أدبيَّاً وأخلاقيَّاً، أنْ يمتنعَ كُلُّ عضوٍ في القيادةِ المستقيلةِ، مِنْ تلقاءِ نفسِه، عن إعادةِ ترشيحِ نفسِه لأيِّ موقعٍ مِنْ مواقع القيادةِ الجديدةِ.. اللهمَّ إلَّا إذا كان يعتقدُ أنَّه فريدُ نوعِه، ولا يمكنُ استبدالُه!
وفي هذا السِّياق، وانطلاقاً مِنْ شعوري بالمسؤوليَّةِ والتزامي الأدبيّ والأخلاقيّ، فإنَّني أُعلنُ بأنَّني لن أُرشِّحَ نفسي لأيِّ موقعٍ في القيادةِ الجديدةِ.
وفي المقابل، فإنَّني أعِدُ بأنْ أكونَ حاضراً، دائماً، في جميعِ ميادينِ النِّضالِ الوطنيِّ والقوميِّ والأمميِّ.. كما كُنتُ دائماً، في كُلِّ الأحوالِ والمراحل..
أمَّا ما الَّذي قدَّمتُه وما الَّذي غيَّرتُه، خلالَ مُدَّةِ تبوُّئي القصيرةِ لموقعِ الأمينِ العامّ للحزب الشُّيوعيّ الأردنيّ، وخصوصاً رغمَ الظُّروفِ الصَّعبةِ الَّتي وُضِعتُ فيها طوالَ الوقتِ، فلا أُريدُ أنْ أُفصِّلَ وقائعَه، أو أنْ أُدافعَ عن نفسي في هذا المجال؛ بل أتركُ الحكمَ على ذلك للنَّاس وللتَّاريخ..
في الختام..
أتقدَّمُ، سلفاً، بتمنِّياتي بالتَّوفيقِ للقيادةِ الجديدةِ.. هذا في حالِ قُيِّظَ للحزبِ أنْ يحظى بقيادةٍ جديدةٍ.. قيادةٍ جديدةٍ حقَّاً..
ها أنا قد أزحتُ نفسي بنفسي عن الطَّريق، فآمل أنْ تَصلُحَ أوضاعُ الحزبِ بهذا وتصبحَ أفضل..
«ولتنعموا بالسَّعادة»! كما قال ماياكوفسكي.. أشكركم على حُسْنِ استماعكم، وأطيب تمنِّياتي لكم".