نداء النابلسي: بين الصدفة والإصرار… سيرة مذيعة عبرت الميكروفون إلى القلوب
Friday-2025-10-10 | 01:45 pm
نيروز الإخبارية :
في تاريخ الإذاعة العربية، تتوهج أسماء نسائية استطعن أن يشققن لأنفسهن طريقًا في عالم الكلمة والصوت رغم أن المجال لم يكن ممهّدًا أمام النساء في ستينيات القرن الماضي. من بين تلك الأسماء يبرز اسم الإعلامية نداء النابلسي، التي تنقلت بين إذاعة الكويت وإذاعة المملكة الأردنية الهاشمية وإذاعة الأمن العام، لتبني لنفسها سيرة إذاعية امتدت لما يقارب ثلاثة عقود، كان الصوت فيها أداة ورسالة، واللغة العربية فيها جسرًا إلى قلوب المستمعين.
ولدت نداء النابلسي ونشأت في مدينة نابلس، حيث كانت الثقافة العربية جزءًا من تكوينها. ومع بداية ستينيات القرن الماضي، حملت طموحها معها متجهة إلى الكويت عام 1962، على أمل أن تعمل مدرّسة. غير أن الصدفة وضعتها أمام منعطف غيّر مسار حياتها كليًا.
فقد دُعيت إلى مقابلة في إذاعة الكويت، حيث كان يرأس البرامج حينها الأستاذ مصطفى أبو غربية، وإلى جانبه المذيعة القديرة أمينة الأنصاري، رئيسة قسم المرأة. دار الحوار الأول حول لغتها العربية، فطُلب منها أن تصف رحلتها من نابلس إلى الكويت بالفصحى. لم تتوقع نداء مثل هذا السؤال، لكنها تمالكت نفسها وأجابت بجرأة وبأسلوب لفت أنظار اللجنة، فكان الإعجاب بلغتها وصوتها بداية مشوار جديد.
عُهد إلى المهندس إحسان العلمي تدريبها على مهارات الإلقاء والإذاعة، وهو الذي سيصبح لاحقًا زوجها ورفيق حياتها. لم تمض فترة طويلة حتى وجدت نفسها تقرأ نشرات الأخبار عبر شاشة التلفزيون الكويتي، لتصبح جزءًا من الطاقم الإعلامي الذي كان يرسّخ تجربة إعلامية رائدة في الخليج. وقدمت خلال تلك المرحلة مجموعة من البرامج، لكن البرنامج الأبرز الذي ارتبط باسمها كان "اعرف عدوك"، وهو برنامج سياسي استهدف توعية الجمهور بالقضايا العربية والإسرائيلية، وامتد صداه ليُبث في محطات إذاعية عربية أخرى.
بعد سنوات من العمل في الكويت، عادت نداء النابلسي عام 1979 إلى عمان. في تلك الفترة، كان الأستاذ نصوح المجالي يتولى إدارة إذاعة المملكة الأردنية الهاشمية. وقد عرّف بعض الإعلاميين الزملاء المجالي بها قائلين: "لدينا في عمان مذيعة قديرة قدمت برامج مهمة في الكويت، فلماذا لا تتعاونون معها؟"، ليتم الاتصال بها والبدء بمرحلة جديدة في مسيرتها الإعلامية.
دخلت نداء الإذاعة الأردنية من أوسع أبوابها عبر نشرات الأخبار الصباحية والظهيرة، التي كانت تقدمها بانتظام مرتين أو ثلاث مرات أسبوعيًا. ومع مرور الوقت، توسعت مشاركتها لتشمل برامج أدبية وسياسية متنوعة. من أبرز تلك المحطات برنامج شعري ليلي استمر لما يقارب سنة ونصف، حيث فتحت فيه نوافذ على جماليات اللغة العربية وروائع الشعر العربي الكلاسيكي والحديث، فكان متنفسًا ثقافيًا لمستمعي الليل.
لم تكن تجربة نداء النابلسي مجرد عمل إذاعي عابر؛ فقد استمرت في إذاعة المملكة الأردنية الهاشمية قرابة عشرين عامًا. خلال هذه المدة، تفاعلت مع المستمعين عبر أثير البرامج، وعملت جنبًا إلى جنب مع نخبة من المذيعين والمذيعات، فنسجت معهم علاقات إنسانية ومهنية قائمة على الاحترام وروح الزمالة.
ومن أجمل الذكريات التي بقيت راسخة في وجدانها، لقاؤها بجلالة الملكة رانيا العبدالله في جلسة ودية، اتسمت بالحديث الشيّق العميق الذي جمع بين الثقافة والإنسانية. وقد شكّل ذلك اللقاء بالنسبة لها علامة فارقة تؤكد مكانة الإعلامي حين يكون صوته أداة للتأثير وبناء الجسور.
بعد سنوات طويلة في الإذاعة الأردنية، انتقلت نداء النابلسي للعمل في إذاعة الأمن العام، حيث أمضت خمس سنوات أخرى في العطاء الإعلامي. وقدمت هناك برامج دينية ومسابقات رمضانية لاقت استحسان المستمعين. كانت تلك التجربة أكثر قربًا من الناس، إذ امتازت بروح اجتماعية وخطاب مباشر يلامس حياة المستمعين اليومية.
ولعل ما أضفى على هذه المرحلة طابعًا خاصًا أن مقر الإذاعة كان قريبًا من منزلها، ما أتاح لها العمل براحة أكبر. لكنها حين انتقلت الإذاعة إلى موقع آخر بعيد، فضّلت الاعتذار عن الاستمرار، مكتفية بما قدّمته من حضور وصوت، تاركة خلفها أثرًا طيبًا وذكرى جميلة لدى زملائها ومستمعيها.
إن تجربة الإعلامية نداء النابلسي تجسد حكاية جيلٍ من الإعلاميين العرب الذين دخلوا عالم الميكروفون من باب الصدفة أحيانًا، لكنهم واصلوا بإصرار وشغف. ما ميّزها لم يكن فقط إتقان اللغة العربية وصوتها المميز، بل أيضًا قدرتها على المزاوجة بين البرامج الإخبارية الجادة والبرامج الثقافية والشعرية، وهو ما منحها مكانة خاصة بين الأصوات النسائية في الإذاعة الأردنية.
من الكويت إلى عمان، ومن نشرات الأخبار إلى البرامج الثقافية والدينية، ظل صوت نداء النابلسي حاضرًا في ذاكرة المستمع الأردني والعربي، علامةً على مرحلة ثرية من تاريخ الإذاعة، حيث كان الميكروفون مدرسةً تُعلّم الناس قبل أن ترفّه عنهم.