في خضم الحرب الروسية‑الأوكرانية، لا تتغير خطوط القتال وحدها، بل يُعاد تعريف مفهوم القتل في ساحة المعركة. فقد بدأت طائرات مسيّرة مدعومة بالذكاء الاصطناعي، قادرة على العمل دون أوامر بشرية مباشرة، في الظهور تباعًا، إيذانًا بدخول عصر جديد من الحروب.
تحول نوعي
وكشف تقرير لصحيفة «نيويورك تايمز» عن تحوّل نوعي في استخدام الطائرات المسيّرة داخل أوكرانيا خلال العام الماضي.
فبينما لا تزال الغالبية تخضع لتحكم بشري مباشر، ظهرت نماذج أوكرانية جديدة تستطيع، بعد تحديد الهدف، مطاردته وضربه اعتمادًا على الذكاء الاصطناعي وحده، حتى في حال انقطاع الاتصال مع المشغّل.
ويروي التقرير مشهدًا من هذا التحول: ففي صباح دافئ قرب قرية بوريسيفكا على الحدود الروسية، حاول طيار مسيّرات أوكراني يُدعى «ليبا» استهداف فريق روسي كان يستخدم مستودعات مهجورة. وبعد فشل محاولتين بسبب التشويش الإلكتروني، أُطلقت في المحاولة الثالثة طائرة متطورة من طراز «بامبلبي».
وما إن حُدّد الهدف حتى واصلت الطائرة الهجوم ذاتيًا بالذكاء الاصطناعي رغم فقدان الاتصال، لتصيب المبنى وتنفجر، محققة ما عجزت عنه الطائرات التقليدية.
وخلال عام 2025، وفي ضربات غير معلنة على طول جبهة تمتد لنحو 800 ميل، بدأت ملامح «حقبة الروبوتات القاتلة» بالتشكّل. فقد نفذت طائرات «بامبلبي» وحدها أكثر من 1000 رحلة قتالية ضد أهداف روسية بحلول الربيع الماضي، بينما يؤكد الطيارون تنفيذ آلاف الطلعات الأخرى لاحقًا.
هذا التطور أثار قلقًا واضحًا في الأوساط العسكرية الروسية. فوفق تقارير استخبارية تقنية، أُجريت فحوصات على طائرة «بامبلبي» تالفة جُمعت من الجبهة، كشفت عن استخدام شرائح ووحدات إلكترونية عالية الجودة «تضاهي مستوى الشركات الرائدة عالميًا». ورغم الإشارة إلى بعض عيوب النماذج الأولية، خلص أحد التقارير إلى تحذير صريح: «هذه التكنولوجيا ستثبت فاعليتها، وسيتوسع نطاق استخدامها».
ولا تعمل هذه الطائرات غالبًا بشكل منفرد. فقد تحولت أوكرانيا، تحت ضغط الغزو، إلى ميدان اختبار حي تتعاون فيه شركات أسلحة ومبرمجون ومهندسون من الغرب مع الوحدات الأمامية، لإنتاج أنظمة تُسند أجزاء من «سلسلة القتل» العسكرية إلى الذكاء الاصطناعي. وتُدار هذه الطائرات أحيانًا عبر حواسيب صغيرة جاهزة مثل Raspberry Pi، وتؤدي مهام مستقلة تشمل الإقلاع، والملاحة، وتحديد المواقع، والتعرف على الأهداف، ثم مطاردتها حتى الضربة النهائية.
كما يجري ربط عدة طائرات بشبكات تحكم مشتركة تسمح بتناوب القيادة البشرية أو بتنفيذ هجمات متسلسلة منسقة، في خطوة تقرّب مفهوم الأسراب القتالية التي تديرها الخوارزميات. وتنتشر هذه القدرات اليوم بين وحدات المشاة والدفاع الجوي والاستخبارات والضربات العميقة.
ورغم أن الطائرات الخاضعة للتحكم البشري الكامل لا تزال الأكثر انتشارًا وتسبب غالبية الخسائر، فإن الأسلحة غير المأهولة تدخل مرحلة جديدة وخطيرة. وعلى الجانب الآخر، أكدت تحقيقات لشركة Conflict Armament Research أن روسيا بدورها تطوّر وتستخدم طائرات مسيّرة معززة بالذكاء الاصطناعي.
وفي هذا السياق، وصف ميخايلو فيدوروف، نائب رئيس الوزراء الأوكراني الأول، هذه الطائرات بأنها محور سباق تسلح جديد.
سباق يعيد طرح أسئلة أخلاقية وقانونية كبرى، في وقت لم تكن فيه حتى أكثر الأسلحة «دقة» في الحروب الحديثة قادرة على منع سقوط المدني.