لا يمكن التعامل مع الرسالة التي وجّهها جلالة الملك عبدﷲ الثاني، القائد الأعلى للقوات المسلحة، إلى رئيس هيئة الأركان المشتركة، بوصفها توجيهًا إداريًا أو عسكريًا تقليديًا، بل هي وثيقة سياسية–عسكرية تؤسس لتحول عميق واستراتيجي في فلسفة الأمن الوطني الأردني ودور الجيش العربي خلال المرحلة المقبلة.
الرسالة تعكس إدراكًا عالي المستوى لطبيعة التحولات الجارية في الإقليم، حيث لم تعد التهديدات محصورة في الجغرافيا والحدود ، بل باتت متعددة الأبعاد، تشمل الحروب الهجينة، والفضاء السيبراني، والأنظمة المسيرة، وحروب المعلومات، والتكنولوجيا المتقدمة، وهو ما يستدعي إعادة تعريف أدوات القوة الوطنية.
اللافت في الرسالة هو الانتقال الواضح من منطق "الحفاظ على الجاهزية” إلى منطق بناء الردع النوعي والتفوق في مجالات قتال محددة، عبر إعادة هيكلة القوات المسلحة، وتطوير عقيدتها القتالية، وبناء جيش رشيق ومرن، قادر على العمل في بيئات عمليات معقدة وغير تقليدية.
كما تحمل الرسالة بعدًا سياديًا بالغ الأهمية، من خلال التأكيد على تطوير الصناعات الدفاعية الوطنية واهمية التركيز على الأنظمة الذكية غير التقليدية ، وتعزيز البحث والتطوير، وربط الأمن بالاقتصاد الوطني، في خطوة تعكس توجه الدولة نحو تقليل التبعية وبناء استقلالية استراتيجية مستدامة.
إن وضع المجال السيبراني الدفاعي والهجومي ضمن الأولويات، إلى جانب الذكاء الاصطناعي ومنظومات القيادة والسيطرة، يؤكد أن مراكز الثقل في الحروب الحديثة لم تعد السلاح التقليدي فقط، بل المعرفة، والبيانات، والقدرة على إدارة الصراع رقميًا قبل أن يكون ميدانيًا.
فالأحداث العسكرية الأخيرة من حروب تقليدية وخاطفة ومن الأمثلة عليها الحرب في غزة وخسارة حزب الله لقوّته ومعظم قيادات الصف الاول في فترة تعتبر قصيرة والهجوم الأمريكي الاسرائيلي على ايران والأحداث في فنزويلا وغيرها وما تحمله من دروس وعبر تؤكد أهمية الرسالة الملكية وأنها في وقتها في ضرورة الاستفادة من الدروس والعبر لهذه الأحداث لإجراء تطوير سريع ومراجعة الاستراتيجية الامنية والعسكرية الوطنية .
ان الاحتياط والعمق الاستراتيجي للجيوش الذي يعتمد على التنظيم وتخصيص قوات احتياطية في الخلف تمتلك من الردع والرشاقة في التدخل الحاسم في الوقت المناسب في الخطوط الأمامية للاشتباكات ضرورة لأي جيش مع أهمية الدور الاستراتيجي الذي يشكله المتقاعدين العسكريين كيف لا وهم رديف الجيش والجيش الرديف بما يمتلكونه من مؤهلات وكفاءات عسكرية محترفة والاهم من ذلك إخلاصها لتراب الوطن وقيادته الهاشمية.
في المحصلة، فان الرسالة الملكية تؤشر إلى انتقال الأردن من مرحلة إدارة المخاطر إلى مرحلة صناعة التوازن والردع الذكي، وتعيد رسم دور الجيش العربي كقوة سيادية متقدمة، لا تحمي الحدود فقط، بل تسهم في تثبيت الاستقرار الوطني وصيانة موقع الأردن في معادلات الإقليم المتغيرة.
حمى الله قيادتنا الهاشمية ووطنا الحبيب وجيشنا العظيم ليبقى الحصن الذي تتحطم عليه مطامح الاعداء .