لسنا أمام مشهدٍ من مسلسل تلفزيوني، ولا أمام أخطاءٍ يمكن احتواؤها بتصريحٍ أو بيانٍ بارد..... نحن أمام فوضى عارمة، وضياع في البوصلة العامة...... مشهدٌ يجب أن يعاد فيه تشكيل المعايير، وتُدار فيه المؤسسات بشكل مختلف.
عند وجود الأزمات يصبح القرار الحكيم عملة نادرة وغير متوفرة، والمشهد العام يبين أن هناك فوضى عارمة، تخبّط في القرارات، ارتباك في الإدارة، واتهامات تتقاذفها الجهات دون بوصلة.
وكأن المؤسسات تُدار بعجلةٍ تدور بلا اتجاه ولا هدف محدد، فيما المواطن يدفع ثمن فقدان البوصلة والتخبط.
أحيانا نشاهد أن القرارات التي تصدر متناقضة، تتبدّل بين ليلة وضحاها، تُلغى قبل أن تُفهم، وتُفرض علينا قبل أن يتم بيانها.... مشهد مرتبك يكشف غياب التخطيط الاستراتيجي، ويؤكد أن الأزمات لم تُدار بعقل واعي بل بعقل اللحظة الغير مستندة إلى أرضية صلبة، فكيف يُبنى وطنٌ على قرارات مرتجفة؟ وكيف تُدار مؤسسة عامة بلا رؤية واضحة ومسار محدد؟
الخلل هنا وليد اللحظة، بل نتيجة تراكمات من سوء الإدارة، وتقديم المصالح الضيقة على المصلحة العامة، وتكريس ثقافة "ترحيل الأزمة” بدل معالجتها.... الفشل هنا لم يعد استثناءً… بل أصبح نمطًا مقلقًا للغاية.
اليوم تُدار الملفات الحساسة بلا اختصاص، وتُسلّم المواقع المفصلية لغير أهلها، فيتصدّر المشهد من لا يملك أدواته، بينما يُقصى أصحاب الخبرة والرؤية بحجة واهية وبمؤامرات خانقة ودسائس من تحت الطاولة.
كل جهة تلقي باللوم على الأخرى، وكل مسؤول يبحث عن شماعة يعلّق عليها إخفاقاته المتكررة في إدارة المشهد.... أما الحقيقة فتبقى تائهة بين البيانات، وأما المواطن فيقف حائرًا أمام مشهد تتنازع فيه الأصوات ولا تتقدم فيه الحلول... عندما يصبح الاتهام سياسة، تضيع المسؤولية، ويترسّخ العبث وتعم الفوضى.
السؤال هنا أين إعلام المؤسسات مما يجري، فالإعلام ليس بوق تبرير ولا منصة نفي، بل عين الحقيقة وصوت الإصلاح والتطوير، فأين الإعلام الذي يخرج ببيانٍ واضح في اللحظة المناسبة؟ أين الخطاب الذي يواجه الخلل بشجاعة، ويضع الإصبع على الجرح بدل الاكتفاء بمسكنات آنيه؟
المطلوب اليوم إعلام مؤسسة، لا إعلام أزمة؛ إعلام يصارح الناس لا يطمئنهم بالوهم، ويكشف الخلل لا يزيّنه.
السراب ليس سرابًا للأمانه … بل ناقوس خطرٌ .... تُرسم الصور الوردية عادة في المؤسسات بينما الواقع يتآكل، وتُصاغ الخطابات المنمّقة فيما الحقيقة تنزف بصمت موجع.
المشكلة المؤرقة ليس في أعمى البصر، بل في أعمى القلب الذي يرى الخلل ويختار تجاهله، ويعرف الحقيقة ويؤثر الصمت على الإصلاح الجذري... لا التجميل المؤقت
ما نحتاجه اليوم ليس بيانات نفي، ولا لجانًا شكلية ولجان مأجورة، ولا نحتاج وعودًا مؤجلة..... ما نحتاجه هو إصلاح جذري شجاع يعيد تشكيل السيناريو من جديد.
إعادة الاعتبار للكفاءة والاختصاص في المؤسسات.
محاسبة المقصر بلا استثناءات.
شفافية ومصداقية في القرار والمعلومة.
إعلام مسؤول يقود الوعي العام ولا يهادن الخطأ.
إشراك حقيقي للمواطن في فهم المشهد لا تهميشه.
الوطن لا يُدار بالارتباك والفوضى، ولا يُحمى بالإنكار والتبرير.... الوطن يحتاج رجال قرار لا رجال تبرير، ويحتاج إعلام صدق لا إعلام تلميع، ويحتاج قلوبًا ترى قبل أن ترى العيون.
فإما أن نصحح المسار اليوم بشجاعة، أو نستيقظ غدًا على واقعٍ لا يشبه أحلامنا ولا يليق بتضحياتنا.... السراب أوجع الجميع وتعرت الحقيقة الموجعة....فالحكمة في الإصلاح وإعادة تشكيل المشهد لنرجع الثقة لأنفسنا أولا ولمؤسساتنا ثانيا.