من خلال تجربتي في استراليا في زمنٍ تتكاثر فيه الشعارات وتقلّ فيه الأفعال، يبرز الكذب والخداع والنفاق كظواهر متجذّرة في واقع المجتمعات العربية المعاصرة، لا باعتبارها سلوكيات فردية فحسب، بل كأنماط عامة تسللت إلى السياسة، والإعلام، والدين، وحتى العلاقات الاجتماعية اليومية.
لم يعد الكذب استثناءً يُدان، بل أصبح في كثير من الأحيان مهارةً تُكافأ، ومن لا يُجيد ارتداء الأقنعة يُوصم بالسذاجة أو "عدم الفهم”. نكذب باسم المصلحة، ونخادع باسم الحكمة، وننافق باسم الأدب والذوق العام، حتى بات الصدق عبئًا ثقيلًا على أصحابه.
إن الكذب هو رأس الخطايا وبدايتها، وهو من أقصر الطرق إلى النار،كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "وإيّاكم والكذِبَ، فإنّ الكَذِبَ يَهْدِي إلَى الفُجُورِ، وإِنّ الفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النّارِ وَمَا يزَالُ العبْدُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرّى الكَذِبَ حَتّى يُكْتَبَ عِنْدَ الله كَذّابا".[رواه البخاري ومسلم].
فقد تحوّل النفاق إلى "لباقة”، وأصبح قول الحقيقة وقاحة. نُجامل على حساب الصدق، ونبتسم لمن نسيء إليهم في غيابهم، ونُظهر ما لا نُبطن، خوفًا من العزلة أو الرفض. هكذا يُربّى جيلٌ يتقن التمثيل أكثر من التفكير، ويجيد إرضاء الناس أكثر من مصارحة نفسه.
حتى في ابسط أمور الحياة لم يسلم من هذا التشوّه، حيث يُستخدم أحيانًا لتبرير الكذب بدل محاربته، ولشرعنة الظلم بدل مقاومته، في انفصالٍ خطير بين القيم التي نُردّدها والسلوك الذي نمارسه.
المشكلة الحقيقية ليست في وجود الكذب، فكل المجتمعات تعرفه، بل في تطبيعه وتحويله إلى قاعدة، وفي معاقبة الصادق بدل الكاذب. حينها يفقد المجتمع بوصلته الأخلاقية، ويصبح التزييف هو اللغة السائدة.
إن مواجهة هذه الظواهر لا تبدأ بالقوانين ولا بالخطب، بل بالاعتراف الصريح بأننا نعيش أزمة صدق، وبأن إصلاح الواقع العربي يبدأ من إعادة الاعتبار للحقيقة، مهما كانت مؤلمة، وللصدق، مهما كان مكلفًا.
فالأمم لا تنهض بالأقنعة، بل بالشجاعة شجاعة أن تقول ما تؤمن به، وأن تفعل ما