يُعدُّ الشاعر والأكاديمي الأردني الدكتور خالد الفهد مياس (مواليد 1963، شاعر، ناقد، وأستاذ في اللغة العربية) من الأسماء البارزة في المشهد الشعري المعاصر، لُغويًا وفكريًا، إذ تمزج نصوصه بين أصالة التراث وعمق الوجدان، ويعكس ذلك تخصصه الأكاديمي في اللغة والعروض والإيقاع الشعري إلى جانب إنتاجه الشعري الخاص.
يهدف هذا المقال إلى تفكيك جماليات النص الشعري عند مياس من خلال زاوية تأويلية دلالية، مركزًا على التجانس بين الشكل والمضمون، وبناء الصورة، وتفاعلية المعنى مع الذات والمتلقي.
أولًا: الإيقاع الداخلي والبناء الفني للنص
من أبرز خصائص شعر مياس الحس الموسيقي والايقاع الداخلي الذي لا يتوقف عند القافية التقليدية بل يمتد إلى نبرة عاطفية دالة:
"وتبقى الحروف تدل عليك
وتعزف لحن الرجوع الأخير
تحن إليك ونبض القصيدة لحن بديع
يئن ويبكي على مقلتيك..."
الدستور
في هذا المقطع، تُوظَّف الحروف كأنَّها عنصرٌ موسيقي، حيث تتجاوز الوظيفة الدلالية إلى وظيفة صوتية، مما يعزز الحس الإيقاعي للنص. إن فعلَي "تعزف” و"يئن” يدمجان الصوت بالوجدان، فالشعر هنا ليس مجرد كلام، بل حدث صوتي–وجداني.
من زاوية التأويل، يحمل هذا التلاعب الصوتي دلالة وجودية وجدانية؛ إذ تصبح اللغة وسيلةً لاستدعاء الحضور الغائب، وتحويل التجربة الشخصية إلى حدث شعري مشترك.
ثانيًا: الصورة الشعرية بين الحضور والغياب
تتميز نصوص مياس بصوغ صور شعرية مركبة تجمع بين الحسية والرمزية. تنحو الكثير من نصوصه إلى استحضار الصورة كعلاقة بين الذات والمكان والآخر، فتتجسد المشاعر عبر صور حسية:
"تحن إليك
ونبض القصيدة لحن بديع
يئن ويبكي على مقلتيك..."
الدستور
هذه الصورة تجمع بين الصوت (الحنين) والجسد (المقلتان)، فتصبح الدلالة ثنائية: صوتٌ يعبر عن ألم الفقد، وجسدٌ يحتفظ بشهادة الذاكرة. إن الدمج بين الحسية والرمزية يعبر عن موقف شعري متماسك، ويتجاوز الوصف إلى نشيد وجوديّ في حضور الغائب.
ثالثًا: التجربة الذاتية والرمزية الزمنية
يُظهر النص عند مياس موتيف الوداع والمفارقة بين الحضور والغياب، حيث لا يكون الحنين مجرد شعور عابر، بل بنية دلالية لعلاقة بين الذات والآخر والزمن الكلي:
"... ألا أيُّها الشهيد
رحلت.. وشعرك باق..
ونبضك راق.."
الدستور
تستحضر هذه الأبيات الثيمة القومية/الوجودية، حيث الدم يُحيل إلى ثبات القصيدة داخل الذاكرة، ورغم الرحيل الجسدي يبقى الشعرُ شاهداً دالًا على الذات والهوية. هنرُّ هنا إلى قراءة تشبه ما يُعرف في النقد الحديث بـ نظرية البقاء الدلالي؛ فهي تصوغ المعنى عبر استدامة العلامة (الشعر) بعد موت الفرد.
رابعًا: اللغة الشعرية ودورها الدلالي
يُظهر شعر مياس لغةً شعريةً رشيقة قوية البناء، تجمع بين البلاغة الكلاسيكية والحداثة الفكرية دون انفصال عن الجذور العربية. يمكن القول بأن اللغة عنده أداة دلالية للإبداع وليست مجرد وسيلة شكلية:
استخدامه لـ "الحروف" كعامل موسيقي دالّ، و"اللحن" كعلامة وجودية، و"النفس" كفضاء شعري–وجداني، يدلّ على وعي عميق بمكونات اللغة.
الدستور
من زاوية تحليلية هيكلية–دلالية، يمكن قراءة هذا الاستخدام للغة على أنه استثمار شعري في العلامة؛ فكل كلمة عند مياس ليست مجرد علامة لفظية، بل حاملة لمعنى مزدوج (صوتي ودلالي).
خامسًا: شعرية الحزن والحنين كأفق دلالي
يمتاز شعر مياس بتشظي مشاعر الحزن والحنين التي تتحرك في أفقين:
الوجداني العاطفي: تتبلور من الرغبة في اللقاء وفقدان الغائب.
الإنساني الوجودي: تتحول إلى موقف فلسفي من الزمن والذاكرة والهوية.
الحزن هنا لا يظلّ مجرد شعور فردي، بل يصبح تجربة وجودية كونية تتجاوز الذات إلى انسجام مع ما يتجاوزها. وهنا يتقاطع شعر مياس مع ما يعرف في النقد الحديث بـ "الشعرية الوجودية" التي تجعل من الألم نقطة انطلاق نحو التأمل في الوجود ذاته.
خاتمة
إنَّ قراءة شعر الدكتور خالد الفهد مياس من زاوية الجماليات والشعريات تُظهر لنا شاعرًا واعيًا للغة وللدلالة، حيث يُوظّف الإيقاع الداخلي، والصورة الشعرية، واللغة الدلالية لصياغة تجربة شعرية عميقة تتجاوز عن الفرد إلى الوجود والهوية والمعنى. إنَّ نصوصه، كما يتضح من شرفات الشوق، تحمل ثنائيات دلالية تخلق معًا عالمًا شعريًا غنيًا يمكن دراسته داخل سياق النقد التأويلي الوجودي والبنيوي الحديث.
الدستور
مراجع مقترحة
مياس، خالد الفهد – شرفات الشوق (2007).
دروبي، محمد – قراءة نقدية في شرفات الشوق (احتفالية توقيع الديوان، دائرة المكتبة الوطنية).
مياس، خالد الفهد – العروض والإيقاع الشعري (دراسة نقدية لغوية).