في بلادٍ تُعرَفُ بأن الزيت فيها ليس سلعةً بل سلالة ضوء، يصبح خبر استيراد زيت الزيتون حدثًا يتجاوز الاقتصاد إلى المعنى. في الأردن، حيث تمتد أشجار الزيتون كأعمدة ذاكرةٍ بين الشمال والجنوب، وحيث يختلط موسم القطاف برائحة الأرض وصوت العائلة، يبدو السؤال صادمًا: كيف تستورد دولةٌ زيت الزيتون، بينما أشجارها تُثمر كل عام؟
ليست القضية هنا مقارنةً بين زيتٍ تونسيٍّ وآخر أردني، ولا انتقاصًا من جودة زيت بلدٍ شقيق كـتونس، التي تُعدّ من كبار منتجي الزيت عالميًا. القضية أعمق: ماذا يعني أن يدخل زيتٌ مستورد إلى سوقٍ محليٍّ يعاني فيه المزارع من كساد الإنتاج؟ وماذا يعني أن يسأل المواطن عن السعر، بينما لا يسأل أحد: أين ذهب زيت الزيتون الأردني؟
الأردن بلدٌ زراعيٌّ في روحه قبل خرائطه. تشير البيانات الرسمية إلى أن المملكة تنتج عشرات الآلاف من الأطنان سنويًا، مع تفاوتٍ بين موسمٍ وآخر. في سنوات الوفرة، ترتفع الشكوى من فائضٍ لا يجد طريقه إلى التصدير، وفي سنوات الشح، ترتفع الأسعار في السوق المحلي. هذا التذبذب مفهوم في منطق الزراعة. غير المفهوم هو غياب الشفافية في إدارة الفائض والعجز معًا.
حين يُقال إن الاستيراد هدفه "ضبط الأسعار”، ينبغي أن يُسأل: هل ضُبطت فعلًا؟ ومن استفاد؟ المزارع الذي انتظر موسمًا كاملًا ليبيع محصوله؟ أم المستورد الذي يدخل السوق في لحظة ارتباكٍ تنظيمي؟ الاقتصاد ليس أرقامًا صمّاء، بل شبكة مصالح. وإذا لم تُضبط هذه الشبكة بعدالةٍ ووضوح، فإن الخاسر الأول هو الثقة.
زيت الزيتون ليس تفصيلًا في الأمن الغذائي؛ إنه عنصرٌ مركزيّ. في ظل اضطرابات الإمداد العالمية، يصبح الحفاظ على المنتج الوطني أولوية استراتيجية، لا مجرد شعار. الاستيراد أداة مشروعة حين تُستخدم لسد فجوة حقيقية، لا حين يتحول إلى بديلٍ سهل عن إصلاح منظومة التخزين، والتسويق، والتصدير.
أين الخلل إذن؟
هل هو في ضعف القدرة التصديرية؟
أم في غياب مخزونٍ استراتيجيٍّ يُدار باحتراف؟
أم في غموض آليات التسعير التي تُربك المزارع والمستهلك معًا؟
المؤلم أن المزارع الأردني، الذي يعتني بشجرته كما يعتني بطفله، يجد نفسه كل عام أمام معادلةٍ غير مفهومة: إمّا أن يبيع بخسارة، أو يحتفظ بزيتٍ لا يعرف إن كان سيجد له سوقًا. وفي الحالتين، تتآكل قدرته على الاستمرار. وحين تتآكل قدرة المزارع، لا نخسر محصولًا فحسب، بل نخسر جزءًا من استقلالنا الغذائي.
لا أحد يعارض الانفتاح التجاري، ولا التعاون العربي، ولا الاستفادة من خبرات دولٍ رائدة. لكن السؤال الأخلاقي يسبق السؤال الاقتصادي: هل استُنفدت كل أدوات دعم المنتج المحلي قبل اللجوء إلى الاستيراد؟ هل أُتيحت للمزارع معلوماتٌ دقيقة عن حجم المخزون، وخطط التصدير، وسياسات الاستيراد؟ أم بقي يتلقى الأخبار من السوق، لا من صانع القرار؟
في الدول التي تحترم سلاسلها الإنتاجية، يُبنى القرار على بياناتٍ منشورة، ونقاشٍ عام، ومساءلةٍ برلمانية. لأن الغذاء ليس ملفًا إداريًا، بل قضية سيادة. وإذا كان الهدف حماية المستهلك من ارتفاع الأسعار، فإن حماية المنتج من الانهيار لا تقل أهمية.
الزيت الذي يُسكب على المائدة الأردنية ليس مجرد سائلٍ ذهبي؛ إنه خلاصة موسمٍ من التعب، ونتيجة سياسةٍ عامة. فإذا اختلّت السياسة، اختلّ التوازن بين الحقل والسوق. وحين يُستورد الزيت دون سرديةٍ واضحة، يُستورد معه سؤالٌ ثقيل: هل فقدنا القدرة على إدارة ما نُنتج؟
المطلوب ليس خطابًا عاطفيًا، بل مراجعة جريئة:
نشر أرقامٍ دقيقة عن الإنتاج والمخزون.
توضيح معايير الاستيراد وتوقيته وحجمه.
بناء استراتيجية تصدير فعّالة تفتح أسواقًا جديدة.
إنشاء مخزونٍ استراتيجيٍّ يُستخدم لضبط السوق داخليًا بدل اللجوء السريع للاستيراد.
الأردن لا يفتقر إلى الزيت، بل إلى إدارةٍ تليق بزيتِه.
والمزارع لا يطلب امتيازًا، بل عدالةً في سوقٍ لا يُفاجئه كل عام.
حين يُطرح السؤال: لماذا استوردنا؟
يجب أن يتبعه سؤالٌ أكبر: لماذا لم نُحسن إدارة ما نملك؟
في نهاية المطاف، القضية ليست زيتًا تونسيًا دخل حدود الأردن. القضية ثقةٌ خرجت من حسابات المواطن.
وما لم تُستعاد هذه الثقة بالشفافية والوضوح، سيبقى السؤال يتردد مع كل موسم قطاف: