محمد خضيرٌ اسمٌ يأخذُ مساحةً شاسعةً في المشهدِ الثقافيِّ الأردنيِّ؛ فهو الشّاعرُ، والروائيُّ، والتشكيلي، والنّاقدُ، ولديه مهاراتٌ أخرى في شخصيتِهِ وأعمالِهِ الثقافيةِ والأدبيةِ.
محمد خضيرٌ له مؤلفاتٌ عديدةٌ ذاتُ مستوى عالٍ في الشّعرِ والنثرِ والرسمِ التشكيليِّ، وهو أيضًا ناقدٌ أدبيٌّ؛ إذ تناول الكثيرَ من الكتبِ وقام بنقدِها وتقييمِها في مناسباتِ الإشهارِ والقراءاتِ وغيرها، وكان له بصمةٌ مميزةٌ في القراءاتِ النقديةِ. فهناك عشراتُ الكتبِ الأدبيةِ التي قدّمَ لها، وأولاها مراجعته، أو قام بالإخراج الفنّي لمضمونها وتصميمِ أغلفَتِها قبيلَ الطباعةِ، وله في هذا الشأنِ باعٌ طويلٌ؛ إذ يحترفُ هذا الفنَّ ويبدعُ فيه، علاوةً على إبداعاتِهِ الأخرى، وخاصةً في مجالِ الشّعرِ الذي أوصلَهُ إلى نيلِ جوائزَ مرموقةٍ على الساحةِ الثقافيةِ الأردنيةِ والعربيةِ وحتى العالميّة، منها: جائزةُ عاطف الفراية للشّعرِ، وجائزةُ حبيب الزيودي للشّعرِ. وجائزة ناجي نعمان العالمية للأدب، ولعلّ اهتمامَ محمد خضيرٍ بالثقافةِ والمثقفينَ هو ما دفعني لتناولِ كتابٍ من كتبِهِ، وكنتُ حصلتُ عليه من مُنتدى البيت العربيِّ الثقافيِّ ذاتَ أمسيةٍ ثقافيةٍ، وحمل اسم "رَجْعُ الكَلامِ".
وهو كتابٌ يتضمنُ أسماءً أدبيةً مبدعةً في مجالات الشّعرِ والقصةِ والروايةِ والأدبِ عمومًا. كتابٌ يتحدثُ بإيجازٍ وكثافةٍ عن أدباءَ أردنيينَ يعيشونَ بيننا، مثل: د. راشد عيسى، ومخلد بركات، ونور الرواشدة، ونوال عباسي، ومحمد خالد النبالي... ومن السعوديةِ الشّاعرة فوزية أبوخالد، وهناك أسماءٌ كثيرةٌ أردنيةٌ وعربيةٌ في هذا المؤلفِ (رجعُ الكلامِ: سياحةٌ أدبيةٌ وتأملاتٌ).
ثمانيةٌ وعشرونَ شاعرًا وشاعرةً وكاتبًا وكاتبةً، تضمنَهم هذا المؤلفُ بجهدِ وهمةِ محمد خضيرٍ الذي خصصَ لكلِّ اسمٍ صفحةً أو أكثرَ للتعريفِ بهم للقارئِ. وقد تناول المؤلفُ بعضَ أعمالِهم تحت عناوينَ مثل: (سطوةُ العلوِّ في الهويةِ الشعريةِ لراشد عيسى "رشدونيوس")، حيث برّرَ كتابةَ الشهادةِ الإبداعيةِ للمبدعِ والاهتمامَ بها والتحدثَ بصراحةٍ أمامَ الناسِ المهتمينَ.
إذ يقولُ محمد خضيرٌ: "الشهادةُ الإبداعيةُ تحتاجُ إلى عبقريةٍ خاصةٍ وموروثٍ إبداعيٍّ ضخمٍ يتعدى فكرةَ الحديثِ عن بطولاتِ الصفوفِ المدرسيةِ الأولى". ومحمد خضيرٌ يقولُ في روايةِ (ماندالا) لمخلد بركات: "وفي ليلةِ قراءةِ ماندالا كنتُ أنتظرُ قدومَ الخيولِ تمامًا كالعياشيِّ صاحبِ البطنِ المدلوقِ، كما أنني أشفقتُ على يحيى عبد الرزاقِ حين اختصرَ حلمَهُ على قبرٍ صغيرٍ".
وفي القسمِ الثاني من كتابِ (رَجْعِ الكَلامِ) ثمةَ تأملاتٌ للمؤلفِ محمد خضيرٍ، وهي تأملاتٌ وتحليلاتٌ نقديةٌ مختصرةٌ تعاينُ بعضَ القضايا المختلفةِ؛ إذ يقولُ في الثقافةِ: "المشهدُ الثقافيُّ اليومَ يقفُ عند مفترقاتِ طرقٍ كثيرةٍ، ولا بدَّ من إقصاءِ النقدِ المجاملِ، والانتباهِ إلى المبدعِ بنظرةٍ خاليةٍ من الحسدِ المفضي إلى الإقصاءِ".
وفي سياقِ (رجعِ الكلامِ) يتحدثُ الكاتبُ عن تجربةِ القاصّة هديل الرحامنة في قصةِ "حكايا على ورقٍ من زجاجٍ"، ويصفُ هذه الحكايا بنكهةِ الشعرِ؛ ففيها شاعريةٌ واضحةٌ، واستشهدَ بالروائيِّ الإنجليزيِّ سومرست موم إذ قالَ: "الشعرُ تاجُ الأدبِ، إنه الغايةُ والهدفُ، إنه أرقى أشكالِ النشاطِ العقليِّ، إنه بلوغُ الجمالِ والدقةِ".
وفي الختامِ، كلُّ ما ذُكِرَ من إضاءةٍ ليس من أجلِ التعريفِ بمحمد خضيرٍ؛ فالرجلُ معروفٌ بأعمالِهِ ونشاطاتِهِ على الساحةِ الثقافيةِ، ولكن ما أعجبني هو اهتمامُهُ وإخلاصُهُ للعملِ الإبداعيِّ وللمبدعينَ؛ فهذه الكتبُ التي خصَّها للكتابِ والأدباءِ الذين التقى بهم وتحدثَ عن تجربتِهم ومؤلفاتِهم ليس بالأمرِ السهلِ والهينِ، بل تتطلبُ جهدًا وبحثًا وقراءةً عميقةً. وهذا العملُ الجيدُ يُشكرُ عليه وافرَ الشكرِ، ونشدُّ على يدِهِ، ونرجو له دوامَ التوفيقِ والنجاحِ في أعمالِهِ الأدبيةِ القادمةِ.