تدرك طهران تاريخ "الخذلان" الروسي، من تأخير بوشهر النووية إلى التنسيق الروسي-الإسرائيلي في الأجواء السورية. ومع ذلك، تثق إيران بروسيا فما هو لغز الثقة الإيرانية: لماذا تضع طهران بيضها في السلة الروسية؟ يرى محللون ان وراء هذه الثقة ثلاثة أسباب بنيوية:
•العداء الوجودي المشترك للغرب: بعد حرب أوكرانيا، تحولت روسيا من "شريك متذبذب" إلى "رفيق خندق" يواجه نفس العقوبات والعزل الدولي.
•الحاجة المتبادلة للتكنولوجيا العسكرية: لأول مرة، أصبحت روسيا هي المحتاجة (للمسيرات والصواريخ الإيرانية)، مما منح طهران أوراق ضغط لم تكن تملكها سابقاً.
•الفيتو الاستراتيجي: تظل روسيا الضامن الوحيد لإيران داخل مجلس الأمن لمنع تفعيل "سناب باك" (العودة التلقائية للعقوبات الأممية).
والسؤال المطروح على الطاولة الان ما هو موقف روسيا من "القنبلة الإيرانية"؟ تصريح الرئيس الأمريكي بأن بوتين يعارض القنبلة الإيرانية دقيق تاريخياً، لكنه منقوص حالياً: فقديما كانت روسيا لا تريد "نادي نووي" عشوائي على حدودها الجنوبية، لأن ذلك قد يحفز سباق تسلح (سعودي، تركي، مصري). اما الان فقد نغير الموقف وتشير تقارير استخباراتية (نشرتها Bloomberg وThe Guardian) إلى أن روسيا قد تغض الطرف عن "حافة نووية" إيرانية مقابل دعم عسكري غير محدود في أوكرانيا. موسكو الآن ترى أن انشغال أمريكا بـ "إيران نووية" هو استنزاف لموارد واشنطن بعيداً عن الجبهة الأوكرانية. كما ان الرؤية الروسية للمستقبل لا يمكن ان تقبل بكابوس القواعد الأمريكية على مقربة مباشرة من حدودها وتعتبر مراكز الأبحاث الروسية (مثل RIAC) أن انهيار النظام الإيراني يمثل تهديداً وجودياً للأمن القومي الروسي حيث ستخسر روسيا مايلي:
•خسارة الممر الشمالي الجنوبي (INSTC): وهو الشريان الاقتصادي الذي يربط روسيا بالهند عبر إيران للالتفاف على العقوبات الغربية.
•تطويق القوقاز: سقوط طهران يعني احتمال صعود حكومة موالية للغرب، مما يعني وصول الناتو إلى بحر قزوين، وهو الخط الأحمر الذي لن تسمح به موسكو أبداً.
•الاستراتيجية الروسية: روسيا لن تحارب "نيابة" عن إيران، لكنها ستزودها بأنظمة دفاع جوي متطورة (مثل S-400) وطائرات (Su-35) لجعل تكلفة أي هجوم أمريكي-إسرائيلي باهظة جداً.
لا بغيب الموقف الصيني امام هذا الحدث "فالعملاق الهادئ" يتابع مجريات الاحداث وينظر إلى الصراع من زاوية اقتصادية وطاقوية:
أمن الطاقة: إيران مورد رئيسي للنفط بأسعار مخفضة للصين.
•استراتيجية "الإنهاك": الصين تفضل بقاء أمريكا غارقة في مستنقع الشرق الأوسط لأن ذلك يقلل من "الاستدارة نحو آسيا" واستهداف بكين في تايوان وبحر الصين الجنوبي.
•الحدود: الصين لن تتدخل عسكرياً، لكنها ستقدم "شريان حياة مالي" لإيران عبر اتفاقية التعاون الاستراتيجي لـ 25 عاماً.
اما عن السيناريوهات المستقبلية: روسيا والحرب الإسرائيلية-الأمريكية/ ابران
وفقاً لتسريبات نشرتها The Wall Street Journal حول دور "فاغنر" أو التنسيق الاستخباراتي هناك عدة سناريوهات:
1.سيناريو "الانخراط المحدود": استمرار روسيا في تقديم المعلومات الاستخباراتية والتشويش الإلكتروني لصالح إيران دون الدخول في حرب مباشرة.
2.سيناريو "المقايضة الكبرى": (وهو الأرجح) أن تساوم روسيا الغرب: "خففوا الضغط في أوكرانيا، نضغط على إيران لخفض التصعيد".
3.سيناريو "الحزم العسكري": إذا شعرت روسيا أن النظام في طهران ينهار فعلياً، قد تتدخل عبر قواعدها في سوريا لفتح جبهات إشغال، لأن سقوط إيران يعني سقوط النفوذ الروسي في الشرق الأوسط للأبد.
تؤكد دراسة لـ معهد دراسات الحرب (ISW) أن العلاقة الروسية الإيرانية انتقلت من "الانتهازية" إلى "التحالف الدفاعي غير الرسمي". ورغم أن روسيا "حليف غير موثوق" تاريخياً، إلا أن عجزها عن تحمل خسارة إيران في هذا التوقيت يجعلها مضطرة للوقوف بحزم، ليس حباً في طهران، بل دفاعاً عن أمنها القومي في موسكو.