تتجه العلاقة بين ضفتي الأطلسي نحو اختبار استراتيجي عسير، مع إعلان البنتاغون رسمياً سحب لواء كامل يضم 5 آلاف جندي أمريكي من ألمانيا، في خطوة لم تقتصر على تقليص الوجود البشري، بل شملت إلغاء نشر كتيبة صواريخ "توماهوك" بعيدة المدى التي كانت برلين تعول عليها كـ"رادع حيوي" ضد التحركات الروسية.
هذا التحول الدراماتيكي، الذي برره البنتاغون بتصاعد التوتر بشأن حرب إيران والخلافات التجارية المتفاقمة، أثار موجة قلق عارمة لدى حلفاء واشنطن والمشرعين الأمريكيين على حد سواء، حيث حذر السناتور روجر ويكر والنائب مايك روجرز من أن هذا الانسحاب يرسل "إشارة خاطئة" إلى موسكو ويقوض قدرات الردع قبل استغلالها بالكامل.
وفي محاولة لامتصاص الصدمة وتحويلها إلى قوة دفع سياسية، أكد وزير الدفاع الألماني، بوريس بيستوريوس، أن هذا الانسحاب يجب أن يكون "حافزاً" للأوروبيين للاضطلاع بمسؤولية أكبر عن أمنهم. وأشار بيستوريوس إلى أن ألمانيا تسير بالفعل على الطريق الصحيح عبر خطة طموحة لزيادة عدد جنود الجيش الألماني إلى 260 ألف جندي، وتسريع شراء المعدات العسكرية لتعويض الفراغ الذي سيتركه تقليص الوجود الأمريكي الحالي المقدر بـ 40 ألف جندي.
ومع ذلك، فإن الواقع الميداني يبدو أكثر تعقيداً؛ إذ يرى خبراء دفاعيون أن سحب الصواريخ بعيدة المدى يمثل ضربة "أكثر خطورة من الناحية العملياتية" من سحب الأفراد، نظراً للاحتكار الأمريكي الفعلي لهذه التكنولوجيا داخل الناتو.
هذه الانتكاسة العسكرية تزامنت مع ضغوط اقتصادية مارستها واشنطن، حيث هدد الرئيس ترامب برفع الرسوم الجمركية على السيارات الأوروبية إلى 25%، وهو ما اعتبره مراقبون جزءاً من استراتيجية الضغط التي تصاعدت عقب مشادة كلامية مع المستشار الألماني فريدريش ميرتس حول ملف الشرق الأوسط.
ومن جانبه، وصف رئيس الوزراء البولندي، دونالد توسك، هذا المسار بـ"الكارثي"، معتبراً أن التهديد الحقيقي للاتحاد عبر الأطلسي يكمن في "التفكك المستمر" للحلف من الداخل أكثر من الأعداء الخارجيين.
ومع بدء العد التنازلي لإتمام الانسحاب خلال الأشهر الستة إلى الاثني عشر القادمة، يواجه الناتو تحدياً زمنياً وتقنياً لسد الفجوات الأمنية في القارة العجوز.
فبينما كانت القواعد الأمريكية في ألمانيا، مثل "رامشتاين" و"لاندشتول"، ركيزة أساسية لدعم العمليات العسكرية من الحرب الباردة وصولاً إلى حربي العراق وإيران، يجد الأوروبيون أنفسهم اليوم أمام ضرورة تطوير قدراتهم الذاتية في ظل ميزانيات محدودة وفجوات تسليحية قد يستغرق سدها سنوات طويلة.