مهما طال الزمن، تبقى المسؤولية ملازمة للإنسان، لا تختفي ولا تسقط عنه، خاصة في بعدها الشخصي والاجتماعي، ومن يظن أنه نجا منها بالتهرب، سيكتشف متأخراً أنه لم يفعل سوى تأجيل المواجهة.
لقد عاش أجيال قبلنا في ظروف لم تعرف ترف الاختيار؛ فكانت الحياة تفرض عليهم أدوارها دون استئذان، فإما أن يتحملوا، أو تضيق بهم السبل فكبروا وهم يحملون على أكتافهم ما أثقلهم، وربما حرمهم أحياناً من راحة البال، لكنه منحهم حكمة مع صلابة لا تقدر بثمن.
ومع تغيّر الزمن وتسارع إيقاع الحياة، لم تختفي المسؤولية، لكنها لم تعد تفرض بالحدة ذاتها، فظهرت مساحات أوسع للاتكالية، وتكاثرت المبررات، حتى صار الهروب يسمى راحة بال، والتأجيل يفسر بعبارات مقبولة… وكأن تغيير الاسم يغير الحقيقة. مع أن الحقيقة أبسط من ذلك: فمن يعتاد الاتكالية، لن يقوى يوماً على حمل نفسه.
ومن هنا، فالمشكلة ليست في الزمن، بل في طريقة التعامل معه؛ فالحياة لا تنتظر من يتردد طويلاً ، ومن لا يتحمل مسؤوليته بإرادته، سيجبر عليها لاحقاً … لكن بعد أن يخسر ما كان يمكن الحفاظ عليه لو واجهه مبكراً، فالفرص لا تعود كما كانت، والثقة لا تبنى على كثرة التبرير.
وفي الختام ، قد تقسو المسؤولية احياناً ، لكنها دائماً تكشف الكثير ؛ ولا تبحث عن المثاليين، بل عن أولئك الذين يقفون عند الحاجة ويفعلون ما يجب أن يكون؛ هناك فقط يتضح الفرق الحقيقي: بين من قرر أن يكون على قدرها، ومن اختار أن يبقى أضعف من أن يعتمد عليه،
وحينها… لا تحتاج الحياة إلى إعلان سقوطه، فهي تتكفل بسحبه بهدوء من المشهد.