تُعدّ جرائم الذم والقدح والتحقير من الجرائم الواقعة على حرمة الحياة الاجتماعية وسمعة الأفراد، وقد أولى المشرّع الأردني لها أهمية خاصة، لما لها من أثر مباشر على كرامة الإنسان واعتباره داخل المجتمع. فالقانون لا يحمي الجسد والمال فقط، بل يحمي أيضًا الشرف والسمعة والكرامة من أي اعتداء لفظي أو معنوي، سواء وقع ذلك وجهًا لوجه أو عبر وسائل الإعلام أو الإنترنت فالمعيار الأساسي ليس الوسيلة، بل الفعل ذاته وما يترتب عليه من مساس بكرامة الإنسان واعتباره أمام الآخرين.
فقد يُظن أن الكلمات التي تُقال في مواجهة مباشرة بين شخصين هي مجرد "انفعال لحظي” أو "كلام عابر”، لكن القانون ينظر إليها بطريقة مختلفة تمامًا، إذ قد تتحول إلى جريمة ذم أو قدح أو تحقير إذا توافرت أركانها القانونية.
اعتبر القانون أن:
•الذم: هو إسناد مادة معينة إلى شخص، ولو على سبيل الشك أو الاستفهام، من شأنها أن تنال من شرفه أو كرامته أو تعرضه لاحتقار الناس.
•القدح: هو توجيه عبارات أو ألفاظ تمس شرف الشخص أو اعتباره دون إسناد واقعة معينة.
•التحقير: هو كل قول أو فعل أو إشارة من شأنها تحقير شخص أو الحط من كرامته
جرائم الذم والقدح والتحقير في القانون الأردني تشمل كل وسيلة يتم بها إيصال الإساءة، ومنها:
•الكلام المباشر وجهًا لوجه
•التجمعات العامة أو الخاصة
•الإشارات والحركات المهينة
•الكتابة أو الرسائل
•وسائل الإعلام
•مواقع التواصل الاجتماعي
•أي وسيلة تحقق العلانية أو إيصال الإهانة للغير
لم يكتفِ القانون بتجريم الإساءة فقط، بل شدد العقوبة إذا وقعت الجريمة بصورة علنية.
فقد نصت المادة (189) من قانون العقوبات الأردني على أن الذم والقدح يكونان أشد خطورة إذا ارتُكبا بإحدى وسائل العلانية، مثل:
•المنشورات الإلكترونية
•التعليقات عبر مواقع التواصل
•الرسائل العامة
•الصور والفيديوهات
•المجموعات الإلكترونية
•وسائل الإعلام المختلفة
وذلك لأن الإساءة العلنية لا تؤذي الشخص وحده، بل تضر بسمعته أمام المجتمع وتجعله عرضة للاحتقار والتنمر والتشهير.
المسؤولية لا تتوقف على "قصد المزاح”
القانون لا يلتفت إلى تبريرات مثل:
•"كنت أمزح”
•"كنت معصب”
•"كلام لحظة غضب”
بل ينظر إلى:
•طبيعة الألفاظ
•أثرها على الكرامة
•وجود الإهانة أو الانتقاص
•سياق الواقعة
فالمعيار قانوني موضوعي، وليس شعوريًا.
نص قانون العقوبات الأردني على عقوبات تختلف بحسب نوع الجريمة وظروفها، وقد تشمل:
•الغرامة المالية
•الحبس
•أو كليهما حسب جسامة الفعل
كما تُشدد العقوبة إذا كانت الإساءة علنية أو موجهة عبر وسائل النشر أو التواصل الاجتماعي.
إن الذم والقدح والتحقير ليست مجرد كلمات عابرة، بل أفعال يعاقب عليها القانون لأنها تمس جوهر الكرامة الإنسانية. وقد وضع المشرّع الأردني إطارًا قانونيًا واضحًا يوازن بين حرية التعبير وحماية الأفراد من الإساءة.
فالكلمة قد تبني علاقة… وقد تهدم سمعة، ولذلك فإن مسؤولية استخدامها تقع على عاتق صاحبها، لأن القانون لا يميز بين كلمة تُقال وجهًا لوجه أو تُنشر على العلن، بل يحمي الكرامة في كل الأحوال.