في مشهدٍ تتجلى فيه القيم الأردنية الأصيلة بأبهى صورها، وتُروى فيه حكايات النخوة والشهامة بمداد الفخر، سطّرت عشائر الأزايدة عامة، وعشيرة العبابسة خاصة، موقفاً وطنياً وإنسانياً رفيعاً، اختارت فيه أن تعلو على الجراح، وأن تُقدّم الصفح على الخصومة، إكراماً لله تعالى ورسوله الكريم، ووفاءً للقيادة الهاشمية وجلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، وترسيخاً لنهج الأردن القائم على التسامح والإصلاح.
وفي أعقاب الحادث المؤسف الذي أودى بحياة الشاب المرحوم يوسف نايل العبابسة، توافدت جاهة عشائرية كبرى من شيوخ ووجهاء المملكة الأردنية الهاشمية، برئاسة الشيخ أكرم نصر حمود الرواحنة، في لقاءٍ مهيب عكس عمق التلاحم الاجتماعي، وسمو القيم العشائرية الأردنية التي لطالما شكّلت صمّام أمانٍ للنسيج الوطني.
وأمام هذا المصاب الجلل، وقفت عشائر الأزايدة وقفة الرجال الكبار، حيث أعلن سعادة العين محمد الخريبات والنائب سامر العبابسة إسقاط كافة الحقوق العشائرية والقضائية بحق السائق نور الدين مسمح السلايطة، في قرارٍ جسّد معنى العفو عند المقدرة، وأكد أن القيم الأردنية لا تُقاس بردود الأفعال، بل بسمو المواقف ونُبل المقاصد.
وقد جاء هذا العفو النبيل ليعكس رسالة واضحة مفادها أن العشائر الأردنية، بقيادتها ووجهائها، تؤمن بأن الإصلاح الاجتماعي وتجاوز الألم هو السبيل الأرقى لحفظ الكرامات وصون الوحدة الوطنية، وأن التسامح ليس تنازلاً، بل رفعة في الأخلاق وقوة في المبدأ.
كما تم تعيين كفلاء الوفاء، الشيخ حسن حويلة الزبن والشيخ أكرم نصر حمود الرواحنة، في خطوةٍ تؤكد عمق الثقة العشائرية، ودور الجاهات في تثبيت الصلح، وتعزيز السلم المجتمعي، وترسيخ ثقافة العفو التي تُعد من ركائز المجتمع الأردني المتماسك.
إن هذا الموقف ليس حدثاً عابراً، بل هو صفحة مشرقة تُضاف إلى سجل العشائر الأردنية، التي ما زالت تُقدّم للعالم نموذجاً في الحكمة والتسامح، وتجسّد روح الانتماء الحقيقي للأرض والقيادة، في ظل حضرة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، حفظه الله ورعاه.
نسأل الله العلي القدير أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته ومغفرته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يلهم أهله وذويه الصبر والسلوان، وأن يجعل هذا العفو في ميزان حسنات أصحابه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.