"يا رِجالَ العِلْمِ يا مِلْحَ البَلَدْ، مَنْ يُصْلِحُ المِلْحَ إِذا المِلْحُ فَسَدْ".. بيتُ شِعرٍ قديم لـ "أبو سفيان الثوري"، لطالما استُحضر في وجدان الشعوب حينما تهتز الثقة في النخب التي يُفترض بها أن تكون صمام الأمان والقيم. واليوم، لم يعد هذا البيت مجرد استعارة أدبية، بل أضحى واقعاً يفرض نفسه على المشهد السياسي الأردني، خاصة مع توالي التصريحات الصادمة التي تخرج من تحت قبة البرلمان أو من كواليس صناع القرار.
بين الزعبي والعماوي: شهادات من أهل الدار
لقد أثارت تصريحات النائب السابق الأستاذ "فواز الزعبي" ، والنائب الأستاذ "مصطفى العماوي" ، عاصفة من التساؤلات حول طبيعة "الفساد" الذي قد يتسلل إلى الطبقة المسؤولة عن إقرار القوانين. هؤلاء الذين يمثلون "الملح" الذي يُصلح جسد الدولة بتشريعاتهم، بات بعضهم يقرّ علانية بوجود اختلالات جوهرية.
فواز الزعبي: الجرأة في كشف المستور
لطالما عُرف الأستاذ فواز الزعبي بأسلوبه المباشر وصراحته التي لا تعرف المحاباة. تصريحاته المتكررة حول هيمنة "البيزنس" على السياسة وتغلغل المصالح الشخصية في صياغة بعض القوانين، وضعت الإصبع على الجرح. لقد تحدث الزعبي في مناسبات عدة عن كيف يمكن للمال السياسي أن يحول "ممثل الشعب" إلى مدافع عن "مصلحة خاصة"، مما يفقد الدور الرقابي والتشريعي هيبته وغايته الوطنية.
مصطفى العماوي: ميزان القانون والواقع
من جانبه، لم تكن تصريحات الأستاذ مصطفى العماوي أقل وزناً، خاصة وأنه ينطلق من خلفية قانونية وسياسية عميقة. العماوي أشار في أكثر من سياق إلى أن الفساد ليس بالضرورة "مالياً" فحسب، بل هو فساد في "العملية التشريعية" نفسها حين تُرسم القوانين لخدمة فئات بعينها على حساب المصلحة العامة. إن تحذيراته تعكس قلقاً حقيقياً من تآكل الثقة الشعبية في المؤسسة البرلمانية.
"عندما يفسد الملح.. من يُصلحه؟"
إن خطورة الفساد في طبقة إقرار القوانين تكمن في أنه "فساد مُشرعن"؛ أي أنه يرتدي ثوب القانون ليحمي نفسه. فإذا كان النائب هو المنوط به مراقبة الحكومة ومكافحة الفساد، فكيف سيكون الحال إذا أصبح هو جزءاً من هذه المنظومة؟
إن الرهان اليوم يبقى على" الوعي الشعبي" أولاً، وعلى "الإرادة السياسية الصادقة" في تنقية المؤسسات التشريعية ثانياً. فالإصلاح يبدأ بفرز الحنطة من الزوان، واختيار الكفاءات التي تضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.
إن تصريحات العماوي والزعبي، رغم قسوتها، تمثل "ناقوس خطر" يجب ألا نمر عليه مرور الكرام. فالدولة القوية هي التي تمتلك الشجاعة لمواجهة عيوبها وتصحيح مسارها. وإذا كان الملح قد أصابه العطب في مرحلة ما، فإن استعادة جودته تتطلب وقفة جادة لإعادة الاعتبار لقيم النزاهة والعمل البرلماني الحقيقي الذي يخدم المواطن لا المصالح الضيقة.