في مواسم الطاعات العظمى، ولا سيما عشر ذي الحجة التي أقسم الله بها في كتابه، يتجدد حضور معاني الإيمان في القلب، وفي مقدمتها أصل الأصول: التوحيد، وضده الذي هو أعظم الذنوب: الشرك. وفي هذا السياق تتأكد الحاجة إلى استحضار دلالة البيت الحرام الذي جعله الله مثابةً للناس وأمناً، على أن أساس العبادة فيه قائم على الإخلاص والتجريد من كل شائبة شرك، ظاهرًا كان أو خفيًا.
إن هذه الآية تدل على أن التوحيد هو الأساس الذي تُبنى عليه سائر العبادات، ولذلك قدَّم الله الأمر بإفراده بالعبادة على تعظيم البيت الحرام وعمارتِه بالطاعة؛ إذ لا تصح عبادة ولا تُقبل قربة مع وجود الشرك، ظاهرِه أو خفيِّه. ومن هنا كانت دعوة الأنبياء جميعًا قائمة على تحقيق التوحيد والتحذير من ضده، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 25].
وقد كان الأنبياء ـ مع كمال معرفتهم بالله وعلو مقامهم في الإيمان ـ أشدَّ الناس خوفًا من الوقوع في الشرك؛ فهذا إبراهيم عليه السلام يدعو ربَّه قائلًا:
﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: 35]، وفي ذلك دلالة على أن المؤمن لا يأمن على نفسه الفتنة، مهما بلغ من العلم والصلاح.
كما حذَّر النبي ﷺ أمته من الشرك الخفي، فقال:
«إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر»، وفسَّره بالرياء؛ لأن حقيقة الشرك لا تقتصر على عبادة الأوثان، بل تشمل صرف شيء من التعظيم أو القصد أو التعلق القلبي لغير الله تعالى، سواء كان ذلك في الأقوال أو الأعمال أو المقاصد والنيات.
ومن ثم فإن حقيقة التوحيد تتحقق بإخلاص الدين لله وحده، وإفراده سبحانه بالقصد والعبادة والمحبة والخوف والرجاء، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام: 162-163].
ولهذا جمع الله بين الإخلاص والمتابعة في قوله:
﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: 110]؛ فالعمل الصالح هو الموافق للشرع، وعدم الإشراك هو تحقيق الإخلاص لله تعالى، وهما الشرطان اللذان لا يُقبل العمل إلا بهما.
ومن أعظم ما يعين على الثبات على التوحيد:
▪︎تعظيم نصوص الوحي.
▪︎ولزوم الدعاء بالهداية والثبات.
▪︎ومجاهدة النفس على تصحيح النية.
▪︎والبعد عن الغلو في الأشخاص والأسباب.
▪︎مع دوام مراقبة القلب خوفًا من الرياء والتعلق بغير الله.
نسأل الله تعالى أن يرزقنا تحقيق التوحيد علمًا وعملًا، وأن يعيذنا من الشرك صغيره وكبيره، ظاهرِه وخفيِّه.