في ظل عالم يموج بالأزمات والتحديات الاقتصادية، تنطلق غدا أعمال الاجتماع الـ32 للوزراء المسؤولين عن التجارة في منتدى التعاون الاقتصادي لمنطقة آسيا والمحيط الهادي (أبيك) في مدينة سوتشو الصينية وتستمر يومين.
ويتمثل الهدف الرئيسي للاجتماع في تعزيز التكامل الاقتصادي الإقليمي، وحماية النظام التجاري متعدد الأطراف، ودفع محركات النمو الجديدة في مجالي الاقتصاد الرقمي والأخضر لمواجهة تباطؤ النمو العالمي، كما تبرز أهمية الاجتماع في جملة من المحاور الاستراتيجية التي تشمل بناء نظام اقتصادي مفتوح، من خلال السعي للحد من النزعات الحمائية، وتنسيق القواعد الاقتصادية والتجارية، ودعم الشراكات الاستثمارية التي تعزز الثقة المتبادلة بين الدول الأعضاء.
كما تشمل هذه المحاور تعزيز مرونة وسلاسة سلاسل التوريد العالمية لحماية اقتصاد المنطقة من تداعيات الأزمات والتحديات المعقدة، بالإضافة إلى دعم الاقتصاد الرقمي والأخضر ومناقشة التحول نحو الرقمنة مثل سندات الشحن الإلكترونية والشبكات الرقمية للموانئ، وتبني استراتيجيات الاقتصاد الأخضر لخلق محركات نمو مستدامة.
وفي السابع عشر من مايو الحالي عقد في شنغهاي اجتماع للجنة التجارة والاستثمار التابعة لمنتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادي، في إطار التحضير لاجتماع وزراء التجارة بالدول الأعضاء، وتناول الاجتماع بالبحث العديد من الملفات الاقتصادية والتجارية، بما في ذلك الجهود المبذولة لتحسين حركة السلع والخدمات عبر الحدود، والتقدم المحرز في الجهود المبذولة لتعزيز التكامل الاقتصادي في المنطقة، بما في ذلك الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة، والاتفاقية الشاملة للشراكة عبر المحيط الهادي، واتفاقية الشراكة في الاقتصاد الرقمي، كما تناولت المناقشات أيضا تسهيل الاستثمار، والربط بين النقل والخدمات اللوجستية، والتعاون لدعم سلاسل التوريد الأكثر كفاءة ومرونة في جميع أنحاء المنطقة.
ويعد اجتماع وزراء التجارة في (أبيك) أحد اللقاءات الرئيسية للمنتدى لمناقشة السياسات التجارية، كما يعد حدثا رئيسيا ضمن "عام الصين في أبيك 2026"، ويمثل منصة رئيسية لبناء توافق الآراء وإعداد مخرجات ملموسة تمهيدا لاجتماع القادة الاقتصاديين لمنتدى أبيك المقرر في نوفمبر المقبل بمدينة شنتشن الصينية.
ويأتي الاجتماع بعد نحو أسبوع من توقعات سلبية أصدرها صندوق النقد الدولي بشأن نمو الاقتصاد العالمي خلال العام الجاري، ورجح الصندوق تراجع النمو العالمي إلى 3.1% في عام 2026، وهو مستوى يقل عن متوسط النمو التاريخي للعقدين الماضيين، ويعزى هذا التباطؤ بشكل أساسي إلى تداعيات التوترات الجيوسياسية، لا سيما الصراعات الإقليمية، التي أدت إلى اضطرابات في أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد، ولدى الصندوق أيضا "سيناريو شديد السلبية"، يفترض تباطؤ النمو إلى 2%، بينما يقفز التضخم إلى 6%.
كما حذر تقرير المخاطر العالمية لعام 2026 من دخول الاقتصاد العالمي مرحلة تتصاعد فيها المخاطر الجيوسياسية والاقتصادية، في ظل استمرار تباطؤ النمو العالمي وتراجع التوقعات المتعلقة بنمو الوظائف.
وأكد التقرير الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي بدافوس في يناير الماضي أن التوترات التجارية والرسوم الجمركية المتبادلة بين الدول باتت عاملا ضاغطا يزيد تعقيد المشهد الاقتصادي العالمي.
وأشار إلى أن ما وصفه "بالتصادم الجيو-اقتصادي" تحول لأبرز التحديات المستقبلية يحل محل الصراع المسلح الذي كان يعد في السنوات الماضية الخطر الأكبر. ويواجه منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادي (أبيك) تحديات تجارية واقتصادية، أبرزها تصاعد التوترات التجارية والرسوم الجمركية، واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، وتباطؤ النمو الاقتصادي، وضغوط التضخم، بالإضافة إلى فورة الذكاء الاصطناعي.
وتتفق دول منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادي (أبيك) على ضرورة إجراء إصلاح أساسي وشامل لمنظمة التجارة العالمية لمعالجة التحديات الأساسية التي تواجه النظام التجاري العالمي.
ولم يكن اختيار سوتشو مكانا لعقد الاجتماع الثاني والثلاثين لوزراء التجارة بالدول الأعضاء في منتدى "أبيك" عشوائيا، وإنما يعود لمكانتها الاقتصادية، حيث تعد المدينة قوة اقتصادية رائدة في الصين، فقد بلغ ناتجها المحلي الإجمالي أكثر من 387 مليار دولار عام 2025، وتحتل المرتبة السادسة بين المدن الصينية وحوالي العشرين عالميا، كما تعد سوتشو مركزا رئيسيا للتجارة الخارجية الصينية، حيث بلغ إجمالي تجارتها الخارجية 410 مليارات دولار العام الماضي، وشكلت تجارتها مع أعضاء أبيك ما يقرب من 70% من هذا الرقم.
يذكر أن منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادي (أبيك) هو تجمع اقتصادي يضم 21 دولة من الدول المطلة على المحيط الهادي، وهي أستراليا وبروناي وكندا وتشيلي والصين وهونغ كونغ وإندونيسيا واليابان وكوريا الجنوبية وماليزيا والمكسيك ونيوزيلندا وبابوا غينيا الجديدة وبيرو والفلبين وروسيا وسنغافورة وتايلندا وتايوان والولايات المتحدة وفيتنام.
ومنذ تأسيسه عام 1989، أصبح منتدى (أبيك) محركا رئيسيا للنمو في آسيا والمحيط الهادي، إذ ارتفع الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة من 19 تريليون دولار إلى 52.8 تريليون دولار في عام 2021، مما ساهم في مضاعفة التجارة الإقليمية ورفع مستويات الدخل وانتشال ملايين السكان من الفقر، ويشكل أعضاء المنتدى 40% من إجمالي سكان العالم، وما يقرب من نصف حجم التجارة العالمية وحوالي 60 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي؛ أكثر من 63 تريليون دولار.