يخيم توتر سياسي على السنغال، الدولة الواقعة في غرب أفريقيا والتي تعد الحصن الأخير للاستقرار في منطقة تعاني من ويلات الإرهاب.
وفي بيان بثته هيئة الإذاعة والتلفزيون السنغالية الجمعة، قرر الرئيس باسيرو ديوماي فاي إقالة رئيس الوزراء عثمان سونكو وحل الحكومة؛ ومن شأن هذه الخطوة أن تفاقم التوتر السياسي في الوقت الذي تعاني فيه البلاد من أعباء ديون ثقيلة.
ويأتي هذا القرار بعد أشهر من التوترات المتصاعدة بين الحليفين اللذين تحولا إلى خصمين، وكان سونكو، الذي يتميز بشخصية جذابة ويحظى بتأييد كبير من الشباب، قد أيد فاي في انتخابات عام 2024 بعد أن منعته إدانة بتهمة التشهير من الترشح.
جغرافيا معقدة
وطالما اختارت السنغال لعب دور "رجل إطفاء الحرائق" في غرب أفريقيا، حيث تتوالد الأزمات السياسية أسرع من حلولها؛ إذ راكمت داكار خبرة هادئة في إدارة التوازنات الإقليمية، في منطقة ضربتها الانقلابات وتواجه تحدي انتشار التنظيمات الإرهابية.
ونهاية العام الماضي، تحركت السنغال لاحتواء أزمة غينيا بيساو—الدولة المجاورة—بمنطق الفعل الاستباقي، ساعية إلى منع انقلاب جديد من التحول إلى شرارة عدم استقرار ممتد في فضاء هش بطبيعته ومثقل بتاريخ الانقلابات المتكررة.
وفي غرب أفريقيا، أعادت سلسلة انقلابات تشكيل الواقع الجيوسياسي في المنطقة الهشة أمنياً، حيث تبلور تحالف بين مالي وبوركينا فاسو والنيجر (وهي دول شهدت انقلابات عسكرية)، ابتعد عن المؤسسات التقليدية في المنطقة، وأبرزها المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا "إيكواس".
لكن بينما تحاصر تنظيمات إرهابية قلب مالي، وتتفاقم الأزمات الأمنية في النيجر وبوركينا فاسو جراء تحالف الإرهاب والجريمة، لم تتمكن "الترويكا" من التصدي المشترك للخطر الذي تمدد حتى وصل إلى نيجيريا.
وطالما حذرت تقارير دولية من مخاطر مساعي التنظيمات الإرهابية للوصول إلى ساحل الأطلسي؛ ووفقاً لـ "مؤشر الإرهاب العالمي" والمؤسسات الاستخباراتية الدولية، تمكنت التنظيمات الموالية لـ "القاعدة" و"داعش" من استغلال الهشاشة السياسية، والاضطرابات الناجمة عن الانقلابات العسكرية الأخيرة في غرب القارة، وتراجع التنسيق الأمني الإقليمي والدولي لتوسيع رقعة نفوذها.
ولم يعد الخطر محصوراً في دولة بعينها كمالي أو بوركينا فاسو، بل تحذر القوى الدولية من استراتيجية تمدد ممنهجة تتجه جنوباً لتهديد استقرار دول الممر الساحلي المطلة على خليج غينيا (مثل غانا، وتوغو، وبنين)، مما يهدد بتحويل المنطقة إلى قاعدة انطلاق استراتيجية تُقوّض الأمن الإقليمي والدولي على حد سواء.
ومنتصف العام الماضي، طالت هجمات مسلحين يتبعون لتنظيم "القاعدة" في غرب مالي بلدة ديبولي الحدودية، التي تبعد أقل من 500 متر عن بلدة كيديرا في السنغال. وحينها، أعلن الدرك الوطني السنغالي في منشور على منصة "فيسبوك" عن افتتاح وحدات جديدة في تامباكوندا وكيدوغو وسرايا.
وأضاف أن مهمة هذه الوحدات مكافحة "الجريمة العابرة للحدود والتهريب بجميع أنواعه، إضافة إلى التحديات الأمنية العديدة التي تواجه هذا الجزء من البلاد". وأشار إلى أن إنشاء هذه الوحدات يعكس "إرادة السلطات العليا في ضمان حماية السكان والممتلكات، بالإضافة إلى أمن الإقليم".
وكان خبراء سياسيون قد ذكروا أن تمدد جماعة "نصرة الإسلام" غرب مالي بات يهدد الحدود الشرقية للسنغال بشكل مباشر، خاصة في ظل انسحاب القوات الفرنسية. وخلال السنوات القليلة الماضية، سلمت القوات الفرنسية مواقعها وانسحبت بصورة كاملة من دول الترويكا في غرب أفريقيا.
وكانت القوات الفرنسية تتعاون مع الأجهزة المحلية في مراقبة الحدود وملاحقة الجماعات المسلحة، لكنها لم تترك بدائل فاعلة بعد انسحابها، مما فاقم الفراغ الأمني. ورغم وجود بعض التدخلات الرمزية من قوة "جي 5" الساحل (قوات إقليمية من 5 دول) أو القوات الأممية، فإن هذه الآليات تعاني من ضعف التمويل والتنسيق؛ وحتى قوات الدرك السنغالي المنتشرة على الحدود، لا تملك
الخبرة الكافية للتعامل مع نمط الهجمات المعقدة التي شهدتها مالي مؤخراً، بحسب طيف واسع من المراقبين.