كحال ملايين المسلمين حول العالم، ظل حلم زيارة الأراضي المقدسة لأداء فريضة الحج في مكة المكرمة والمدينة المنورة يرافق المواطن المصري أحمد إسماعيل لسنوات طويلة، حتى تلقى قبل أسابيع اتصالا أبلغه بإدراج اسمه ضمن المقبولين عبر نظام القرعة المصرية.
لكن فرحة أحمد لم تخل من القلق؛ فبينما كان يحزم حقائبه، ظل هاجس الحرارة الشديدة يلاحقه خصوصا بعد واقعة عام 2024، عندما توفي أكثر من ألف حاج، معظمهم من مصر، بسبب موجات الحر التي تجاوزت 51 درجة مئوية. ومع تزامن موسم هذا العام مجددا مع ذروة الصيف، يعود هذا التحدي إلى الواجهة.
وفي مقابلة هاتفية مع "DW عربية" من مكة، قال إسماعيل
"القلق يساورنا جميعا بسبب الخوف من ارتفاع درجات الحرارة، ولذلك حرصنا على اتخاذ الاحتياطات اللازمة وارتداء الملابس الخفيفة المناسبة".
وكان المركز الوطني للأرصاد في السعودية قد أعلن توقعاته لحالة الطقس، مشيرا إلى أجواء تتراوح بين الحارة وشديدة الحرارة، مع نشاط للرياح المحملة بالغبار نهارا.
ولم تكن هذه التحذيرات دون سبب؛ ففي عام 2023، تعرض أكثر من ألف حاج لإجهاد حراري، سجل منهم 1721 حالة في يوم واحد فقط، مع وصول الحرارة إلى 48 درجة مئوية.
"المظلات منتشرة".. تدابير لمواجهة التغير المناخي
باتت درجات الحرارة المرتفعة، المرتبطة بتداعيات التغير المناخي، أحد أبرز التحديات أمام السلطات السعودية. ولتفادي تكرار حوادث المواسم الماضية، أعلنت المملكة توفير وسائل نقل مكيفة وتعزيز كفاءة أجهزة تلطيف الجو. وهو ما لمسه الحاج أحمد إسماعيل عند وصوله، حيث أكد أن الأجواء مهيأة مع انتشار المراوح والمظلات في الشوارع.
غرامات صارمة وطرق مبردة لمنع التدافع
إلى جانب الحر، يبرز خطر التدافع داخل المواقع المزدحمة. ولتنظيم الحشود، طورت السعودية آ ليات صارمة؛ حيث تقرر منتصف مايو/أيار الجاري منع دخول أسطوانات الغاز المسال إلى مخيمات المشاعر (تفاديا لحوادث مثل حريق منى عام 1997 الذي دمر 70 ألف خيمة).
كما أعلنت المملكة فرض غرامة تصل إلى 20 ألف ريال بحق حاملي تأشيرات "الزيارة" عند محاولتهم أداء المناسك دون تصريح رسمي.
وفي هذا السياق، يرى محمد رمضان، أحد المشرفين على الحجاج المصريين، في حديثه لـ "DW عربية"، أن هذه الإجراءات تساهم في الحد من التدافع، مشيدا بالحزم العالي في التطبيق هذا العام. يذكر أن المملكة وسعت أيضا استخدام "الطرق المطاطية المبردة" لخفض حرارة الأرض، مع الاستعانة بالطائرات المسيرة لمراقبة المسارات.
نصائح طبية للتعامل مع الطقس القاسي
رغم صعوبة الرحلة التي تتطلب السير لمسافات طويلة تحت الشمس، يعتمد الحجاج على نصائح وقائية قدمها خبراء الصحة لـ "DW"، ومنها:
شرب الماء باستمرار حتى في غير أوقات العطش.
التواجد داخل الأماكن المغلقة خلال ساعات الذروة.
استخدام المظلات الشمسية لتجنب الأشعة المباشرة.
وضع أقمشة باردة على المعصمين، الرأس، والرقبة لخفض حرارة الجسم.
عرفة.. الاختبار الأصعب للخطة التنظيمية
رغم التسهيلات، يبقى يوم الوقوف بعرفات هو الشغل الشاغل للمشرف محمد رمضان، حيث يتوقع مركز الأرصاد أن تتراوح الحرارة هناك بين 42 و44 درجة مئوية، مع رطوبة تصل إلى 55%.
ونبه رمضان إلى سلوك خاطئ يقع فيه بعض الحجاج قائلا:
"في السنوات الماضية، يتزاحم البعض لصعود جبل الرحمة، ظنا منهم أن الوقوف لا يصح إلا عليه، وهذا اعتقاد خاطئ؛ فالشريعة تنص على أن عرفات كلها موقف. ونحن ننصح الناس وكبار السن بالبقاء في الخيام".
وأختتم رمضان حديثه بالإشارة إلى أن التنظيم يبدو جيدا حتى الآن، لكن التقييم النهائي والختامي سيكون بعد دخول الحجاج إلى خيام عرفة، حيث تتضح الصورة الكاملة لما يمثله هذا اليوم من اختبار هو الأصعب في رحلة