عندما افتُتح متحف الأردن، كان المشروع يحمل طموحًا كبيرًا يليق بدولة تمتلك واحدة من أغنى السرديات التاريخية في المنطقة. لم يكن الهدف إنشاء مبنى جميل أو قاعات عرض حديثة فحسب، بل إنشاء مؤسسة وطنية تقود الوعي بالتاريخ الأردني، وتحوّل الإرث الحضاري الهائل الذي تملكه المملكة إلى قوة ثقافية ومعرفية وسياحية مؤثرة داخل الأردن وخارجه.
اليوم، وبعد سنوات طويلة من الافتتاح، يبدو أن الزمن تحرك في كل الاتجاهات إلا داخل المتحف. المتاحف تغيّرت و مصر الشقيقة مثالا و ابوظبي و قطر و السعودية ايضا وأدوات المعرفة تغيّرت وطريقة تقديم التاريخ تغيّرت، لكن متحف الأردن بقي كما هو منذ افتتاحه مع تغير بسيط بلون القارمات الخارجية بسبب قدمها و بلاط المبنى لعدم الاهتمام به كما يجب و المرافق الصحية المهترئة .
هذه ليست ملاحظة انفعالية أو حكماً متسرعاً، بل نتيجة يمكن الوصول إليها بسهولة عند إجراء مقارنة بسيطة بين ما يجري في المتاحف الرائدة في منطقنا او حول العالم وبين ما يجري في متحف الأردن.
ففي الوقت الذي تحولت فيه المتاحف الكبرى إلى مراكز للإبداع الرقمي والذكاء الاصطناعي والواقع المعزز والواقع الافتراضي والإنتاج المعرفي والتجارب الغامرة، ما زال متحف الأردن يعتمد بصورة رئيسية على النموذج التقليدي القائم على العرض الثابت للقطع الأثرية. والمفارقة أن المشكلة ليست في المادة العلمية وليست في التاريخ و لا في قيمة المعروضات. فالمتحف يضم كنوزاً تحلم بها دول كثيرة. فتماثيل عين غزال وحدها تمثل واحدة من أهم الاكتشافات الأثرية في تاريخ البشرية.ومخطوطات البحر الميت من أهم الوثائق التاريخية في العالم. والأردن كله يمثل قصة حضارية متصلة تمتد آلاف السنين. لكن امتلاك المادة الخام شيء، والقدرة على تحويلها إلى مشروع وطني وعالمي حي شيء آخر تماماً. ومن باب الإنصاف، لا يتعلق هذا الحديث بالأشخاص على المستوى الشخصي. فإدارة المتحف و من يعملون فيه يُعرفون باحترامهم ومهنيتهم وعلاقاتهم الطيبة. وليس النقاش هنا حول أخلاق الأشخاص أو نواياهم. بل يدور حول النتائج . و هنا نضع تساؤلاتنا امام دولة رئيس الوزراء صاحب الولاية العامة لنضع بين يديه هذه التساؤلات
ماذا أضاف المتحف منذ افتتاحه و ما المشروع النوعي الذي غيّر مكانته و ما المبادرة التي جعلت منه مرجعاً إقليمياً و ايضا و في هذه المرحلة الحساسة نضع السؤال الاهم ، ما الدور الذي لعبه في بناء السردية الوطنية الأردنية خلال السنوات الأخيرة. عند مراجعة المشهد بموضوعية، يصعب العثور على تحولات كبرى تتناسب مع حجم الإمكانات المتاحة. دولة الرئيس هذه المؤسسة المهمة جدا جدا . توقفت عند لحظة الافتتاح، فيما استمر الزمن بالحركة من حولها.اليوم تتحدث الدولة الأردنية عن السردية الوطنية وتتحدث عن الهوية وتتحدث عن بناء الوعي لدى الأجيال الجديدة ،وفي مثل هذا السياق كان يفترض أن يصبح متحف الأردن أحد أهم مراكز إنتاج هذه السردية. وأن يقود الحوار و أن ينتج المحتوى.و يكون سباقا في ابتكار الوسائل الحديثة لتقديم التاريخ الأردني. متحولا إلى منصة وطنية للتعريف بالأردن داخل المملكة وخارجها.
لكن هذا الدور لم يتبلور بالصورة التي تتناسب مع أهمية اي متحف و لن نبتعد كثيرا و لنقارن بالمحيط . وإذا كانت المؤسسات تُقاس بأثرها، ما هو اثر متحف الاردن اليوم و اسالوا الشارع الاردني عنه. فهناك فرق كبير بين مؤسسة تفتح ابوابها و تغلقها لاكثر من 15 سنه دون اثر يذكر وبين مؤسسة تتطورو تؤثر . وبين إدارة تحافظ على الموجود وإدارة تصنع الجديد.والدولة اليوم،يا دولة رئيس الوزراء و صاحب الولاية العامة، مطالبة بالنظر بجدية إلى هذا النوع من المؤسسات.
ليس من باب العقاب أو المحاسبة الشخصية بل من باب تقييم الأداء الوطني ، و الهدف من المؤسسات العامة ليس البقاء فقط بل تحقيق الغاية التي انشئت من اجلها و هذا كلامك يا دولة الرئيس و هو قطعا صحيح . وعندما تمتلك مؤسسة كل هذه الإمكانات، ثم يبقى أثرها أقل بكثير من حجم تلك الإمكانات، فإن المراجعة تصبح ضرورة وطنية لا خياراً إدارياً. لقد آن الأوان لفتح نقاش هادئ وصريح حول متحف الأردن. و هذا النقاش لا يبحث عن الأشخاص بل عن النتائج.ولا يناقش الأسماء بل الأثر.ولا يسأل كم سنة مضت، بل ماذا تحقق خلالها. لأن الأردن يستحق متحفاً بحجم تاريخه.ويستحق مؤسسة ثقافية تقود المستقبل كما تحفظ الماضي. أما الاكتفاء بإدارة الواقع كما هو، فلن ينتج سوى المزيد من السنوات التي تمر، بينما تبقى الإمكانات أكبر من الإنجازات و هذا كلامك و ديدنك يا دولة الرئيس و نحن نكرره من خلفك و نذكرك به وللحديث بقية..