ليست المشكلة في حملة تدعو إلى النظافة، فالنظافة قيمة إنسانية وحضارية لا يختلف عليها اثنان، وليست المشكلة في رفض سلوك رمي النفايات في الشوارع، فذلك سلوك يسيء إلى الوطن قبل أن يسيء إلى المشهد العام.
المشكلة الحقيقية تبدأ عندما تتحول الدولة من دورها في بناء الوعي إلى دور الواعظ الغاضب الذي يرفع إصبعه في وجه الناس.
حين تخاطب مؤسسة رسمية مواطنيها بعبارات مثل "استحوا" و"عيب" و"الشارع مش سلة زبالة"، ثم يتبع ذلك تصريح يفهم منه أن لغة "عزيزي المواطن" لم تعد تنفع مع الأردنيين، فإن السؤال يصبح أكبر من مجرد حملة بيئية؛ إنه سؤال يتعلق بنظرة السلطة إلى مواطنيها: هل تراهم شركاء أم متهمين؟
الدولة ليست أباً غاضباً، والمواطن ليس طفلاً يحتاج إلى التوبيخ. المواطن هو صاحب الوطن الحقيقي، يدفع الضرائب، ويتحمل الأعباء الاقتصادية، ويقف مع دولته في أصعب الظروف، ومن حقه أن يُخاطَب باحترام حتى عندما يخطئ، لأن الاحترام ليس مكافأة على حسن السلوك، بل هو أساس العلاقة بين الدولة ومواطنيها.
الأمر اللافت أن بعض المسؤولين يتحدثون وكأن أزمة البيئة في الأردن بدأت من يد المواطن الذي ألقى كيساً أو زجاجة في الشارع، وكأن المشكلة لا علاقة لها بالتخطيط، ولا بالبنية التحتية، ولا بنقص الحاويات، ولا بالتوعية، ولا بالرقابة، ولا بالبرامج طويلة المدى. فجأة أصبحت كل الأزمات تختصر في المواطن وحده، وكأن الدولة بريئة تماماً من أي تقصير.
من السهل أن نطلب من الناس عدم رمي النفايات، لكن الأصعب أن نسأل: ماذا قدمنا لصناعة ثقافة مختلفة؟ من السهل أن نكتب كلمة "عيب" على لوحة، لكن الأصعب أن نبني وعياً يجعل الإنسان يحافظ على المكان حتى دون وجود اللوحة.
يقول الفيلسوف جان جاك روسو: "الاحترام هو الحق الأول لكل إنسان." والاحترام في الخطاب العام ليس ترفاً لغوياً، بل هو جزء من فلسفة الحكم الرشيد. فالدول المتقدمة لم تصل إلى ما وصلت إليه لأنها أتقنت توبيخ شعوبها، بل لأنها أتقنت إشراكهم.
معالي الوزير، إذا كانت لغة "عزيزي المواطن" قد فشلت، فربما المشكلة ليست في كلمة "عزيزي"، بل في السياسات التي سبقتها. لأن المواطن حين يشعر أنه مسموع ومحترم يصبح أكثر استعداداً لتحمل المسؤولية، أما حين يشعر أنه يتلقى درساً أخلاقياً في كل مرة، فإنه يبدأ بسماع الكلمات دون أن يصغي للرسالة.
السالفة ليست أن الشعب الأردني يحتاج من يعلمه الذوق، فهذا الشعب بنى دولة في أصعب الظروف وحملها فوق كتفيه لعقود. السالفة أن الخطاب الرسمي يحتاج أن يتذكر أن الشعوب لا تُقاد بالإهانة، ولا تُبنى بالتقريع، ولا تُصنع الثقة فيها عبر مكبرات الصوت.
فالأوطان لا تُدار بمنطق: "استحوا"، بل بمنطق: "تعالوا نصلحها معاً."