في كثير من الأحيان ننظر إلى قوانين الإدارة المحلية بوصفها قوانين خدمية تعنى بالطرق والإنارة والنظافة والتنظيم، لكن الحقيقة أن هذه القوانين تُعد من أكثر التشريعات تأثيرا في حياة المواطنين، لأنها تحدد شكل العلاقة بين الدولة والمجتمع المحلي، وترسم حدود القدرة على التنمية وصناعة القرار على مستوى المدن والبلدات والقرى.
ومن هنا جاءت أهمية اللقاء الذي عقدته كتلة حزب مبادرة النيابية لمناقشة مسودة مشروع قانون الإدارة المحلية لسنة 2026، بمشاركة عدد من رؤساء البلديات ومجالس المحافظات السابقين وأصحاب الخبرة في العمل المحلي. فالقيمة الحقيقية لمثل هذه اللقاءات لا تكمن فقط في مناقشة مواد القانون، بل في ترسيخ نهج الحوار والاستماع إلى الخبرات المتراكمة والاستفادة من التجربة العملية في تطوير التشريعات.
إن التشريعات التي تكتب بمعزل عن الميدان تبقى نصوصاً جامدة، أما التشريعات التي تبنى على الحوار والتجربة والخبرة فإنها تكون أكثر قدرة على الاستمرار وتحقيق أهدافها. ولذلك فإن إشراك أصحاب الخبرة في مناقشة القوانين يشكل نموذجا إيجابيا يجب البناء عليه في مختلف التشريعات الوطنية.
لقد حقق قانون الإدارة المحلية لسنة 2021 خطوات مهمة في مسيرة الإصلاح الإداري، إلا أن التجربة العملية خلال السنوات الماضية أظهرت الحاجة إلى تطوير بعض الجوانب المرتبطة بالصلاحيات، والحوكمة، والرقابة، والعلاقة بين المجالس المنتخبة والإدارة التنفيذية، إضافة إلى ضرورة تعزيز الدور التنموي للإدارة المحلية.
ومن هنا تأتي مسودة قانون 2026 كمحاولة للانتقال إلى مرحلة جديدة تقوم على إدارة محلية أكثر كفاءة ووضوحا في الأدوار وأكثر قدرة على الاستجابة للمتغيرات الاقتصادية والاجتماعية التي تشهدها المملكة.
إن أحد أهم التحديات التي ينبغي أن يعالجها القانون هو الحفاظ على قوة وفاعلية المجالس المنتخبة. فالمجالس البلدية تمثل إرادة المواطنين، ويجب أن تبقى صاحبة الولاية العامة في رسم الأولويات المحلية وتحديد الاتجاهات التنموية، مع وجود جهاز تنفيذي مهني وكفؤ يعمل على تنفيذ هذه السياسات ضمن إطار واضح من المساءلة والرقابة.
كما أن استقرار المجالس المنتخبة واحترام الدورة الديمقراطية يمثلان عنصراً أساسياً في بناء الثقة بالمؤسسات المحلية، لأن التنمية تحتاج إلى استمرارية في العمل والتخطيط، لا إلى تغييرات متكررة تعطل المشاريع وتربك العمل المؤسسي.
وفي السياق ذاته، فإن المحافظة على مبدأ الانتخاب المباشر تشكل ضمانة مهمة لتعزيز المشاركة الشعبية وترسيخ المساءلة، إذ إن المواطن يكون أكثر قدرة على متابعة ومحاسبة من اختاره بشكل مباشر لتمثيله.
إن التجارب الدولية الناجحة تؤكد أن قوة الدول لا تقاس فقط بقوة حكوماتها المركزية، بل أيضاً بقوة مدنها وبلدياتها ومؤسساتها المحلية. فالمدن أصبحت اليوم محركات للاقتصاد ومراكز للابتكار والاستثمار والتنمية البشرية، والإدارة المحلية أصبحت جزءاً أساسياً من معادلة التنافسية الوطنية.
لذلك فإن مشروع قانون الإدارة المحلية لسنة 2026 يجب أن ينظر إليه بوصفه فرصة لإعادة تعريف دور البلديات في الأردن، ليس فقط كمؤسسات خدمية، بل كمؤسسات تنموية قادرة على المساهمة في تحقيق رؤية الدولة الاقتصادية والاجتماعية، وعلى تحويل التحديات إلى فرص، والطموحات إلى مشاريع، والخطط إلى واقع يلمسه المواطن في حياته اليومية.
وفي النهاية، فإن نجاح أي قانون لا يقاس بعدد مواده أو تفاصيله الفنية، بل بقدرته على بناء مؤسسات أكثر كفاءة وثقة وفاعلية. وإذا نجحنا في الوصول إلى قانون يحقق هذا الهدف، فإننا لا نكون قد طورنا الإدارة المحلية فحسب، بل نكون قد وضعنا لبنة جديدة في مسيرة بناء الأردن الذي نطمح إليه جميعاً.