في قراءة مشهد الجغرافيا التاريخية لبلاد الشام ، يبرز منخفض الأخدود الأفريقي العظيم ، وتحديداً حوض البحر الميت ( بحيرة لوط ) ، كمعلم طالما استوقف المؤرخين والجغرافيين . فرغم أن المتبادر إلى الأذهان بكثافة ملوحته وعورة تضاريسه المحيطة أنه يشكل عائقاً طبيعياً فاصلاً بين شرق الأردن وغرب فلسطين ، إلا أن العمق التاريخي يثبت العكس تماماً . لقد كان هذا الحوض ، منذ العصور القديمة وحتى العهد العثماني المتأخر ، محطاً لشبكة من التفاعلات التجارية الحيوية ، ومنصة لتبادل السلع الاستراتيجية ، وممراً للقوافل البرية والمائية التي ربطت بين ضفتي النهر والبحيرة ، عاكسةً وحدة أنثروبولوجية واقتصادية متكاملة .
أولاً : العصور القديمة والتجارة النبطية ( القار والأملاح كسلع استراتيجية ) :
تجارة الأسفلت ( الحُمر أو القار ) : تميز البحر الميت في العصور القديمة بقذفه لكتل كبيرة من الأسفلت الطبيعي عالي النقاء . التقط الأنباط هذه الإشارة الجغرافية والاقتصادية ، فاحتقروا جمع هذه المادة عبر قوارب بدائية وزوارق طوّفوها في البحيرة . كانت هذه المادة تمثل سلعة استراتيجية بامتياز ، حيث صُدِّرت بكميات هائلة إلى مصر الفرعونية لاستخدامها الأساسي في تحنيط الموتى ، وعزل السفن ، والمنشآت المائية . وتتطابق المصادر الرومانية ( مثل كتابات ديودور الصقلي ) في تأكيد أن الأنباط خاضوا نزاعات عسكرية للدفاع عن احتكارهم لهذه التجارة الحيوية في البحيرة .
الملح الصخري والملاحات : شكل ملح البحر الميت صلب الاقتصاد المعيشي والتجاري للحواضر الممتدة على ضفتيه . فبالإضافة إلى استخداماته الغذائية ، كان الملح عنصراً رئيساً في دباغة الجلود وحفظ الأطعمة المعدة للتصدير عبر الموانئ الفينيقية والمصرية ، وكانت جبال الملح ( مثل جبل إسدوم / سدوم ) والملاحات التقليدية على الشواطئ نقاط جذب للقوافل .
ثانياً : شبكة طرق القوافل الالتفافية والممرات الطبيعية ( العصور الكلاسيكية والإسلامية ) :
الممر الشمالي ( محور أريحا - الغور ) : ربط الحواضر التاريخية في شرق الأردن ( مثل السلط وعمّان ومناطق البلقاء ) بالقدس ونابلس عبر أريحا . وكانت القوافل تنزل عبر وادي شعيب شرقاً لتلتقي بالمعابر الطبيعية للمخاضات النهرية ( مثل مخاضة المغطس أو جسر دامية لاحقاً ) متجهة نحو الغرب .
الممر الجنوبي ( محور الكرك - الخليل ) : وهو المحور التاريخي الأكثر نشاطاً في جنوب الحوض ، حيث كانت القوافل تنطلق من المرتفعات الآدومية والمؤابية ( الكرك والطفيلة ) ، وتنحدر عبر أودية وعرة كوادي الموجب ووادي الحسا ومنطقة اللسان ، لتخترق جنوب البحر الميت نحو نقب الخليل وصولاً إلى غزة أو القدس . هذا المسار أتاح تبادل الحبوب والغلال الكركية بالمنسوجات والبضائع المستوردة عبر الموانئ الفلسطينية .
صناعة وتصدير السكر : تحولت الأغوار المحيطة بالبحر الميت إلى مركز إقليمي لزراعة قصب السكر وعصره . وقد كشف علماء الآثار عن بقايا " طواحين السكر " المملوكية ( مثل طواحين السكر في غور الصافي وطبقة فحل ) . كان السكر يُعبأ في قوارير فخارية ويُنقل عبر شبكة طرق حوض البحر الميت إلى الحواضر الفلسطينية الرئيسية كالقدس وغزة ، ومنها إلى الأسواق الأوروبية ، مما جعل الحوض شرياناً لإنتاج سلعة نقدية بالغة الأهمية في الاقتصاد العالمي آنذاك .
النقل البريدي والعسكري : استغل المماليك الممرات الجغرافية للحوض لإنشاء شبكة بريد سريعة ( عبر الخيل والحمام الزاجل ) ربطت بين مراكز الحكم في دمشق والقاهرة عبر قلعة الكرك والقدس ، مما عزز من الأهمية الأمنية والتجارية للمنطقة .
رابعاً : العهد العثماني المتأخر ومحاولات الملاحة المائية :
تنظيم الملاحة عبر الأملاك السنية : تشير الوثائق والمراسلات الرسمية بين متصرفية لواء معان وولاية سوريا بشأن طلبة الأراضي السنية ، إلى استثمار السفن التي أنشأتها " إدارة الأملاك السنية السلطانية في القدس " ، وتسييرها في بحر لوط لربط الكرك بأريحا . هذا الخط المائي نجح في تقليص المسافة البرية والبحرية بين الكرك والقدس لتصبح تسعة عشر ساعة فقط ، مبرزاً الأهمية الاستراتيجية لمدينة الكرك كمركز للواء معان في تسهيل التقلبات العسكرية والتجارية .
الخطوط والمواقيت الرسمية : تقرر إدارياً تسيير رحلة أسبوعية منتظمة ، حيث تنطلق إحدى السفن السنية كل يوم جمعة من أريحا متجهة إلى ( رأس وادي الكرك ) ، وتعود منه نهار الاثنين إلى أريحا ، مخصصة لنقل الركاب والبضائع التجارية .
بورصة الأجور العثمانية : تم ضبط التعرفة الرسمية للنقل لتكون الأجرة عن السفرة الواحدة ( للذهاب فقط ) ريالاً مجيدياً واحداً عن كل مسافر ، وعشرة قروش عن الأطفال الذين هم دون الخامسة عشرة من العمر ، وعشرة قروش أيضاً عن كل دابة أو حيوان من الأشياء المقومة ، مع تعزيز كفاءة الملاحة بإضافة ربان آخر إلى ربان السفينة الأصلي .
بقايا المراسئ الأثرية : أسفرت الدراسات المسحية وجفاف مياه البحر في العقود الأخيرة عن الكشف عن بقايا خشبية ومراسٍ برونزية وحديدية تعود لقرون مختلفة ، ومنها ما يرجع للعهد العثماني ، مما يثبت أن هذه التقارير والفرمانات تُرجمت إلى حراك لوجستي حقيقي في البحيرة .
خامساً : التماسك الأنثروبولوجي والروابط الاجتماعية والاقتصادية :
حركة " التغريب " والمقايضة الموسمي : سادت لعقود طويلة حركة تجارية واجتماعية عُرفت محلياً بـ " التغريب " ، حيث كان أهالي شرق الأردن ينزلون إلى الضفة الغربية للمقايضة وبيع المنتجات الحيوانية ( السمن ، الجميد ، الصوف ) مقابل الحصول على المنتجات الحضرية الفلسطينية كالزيتون ، الصابون النابلسي ، المنسوجات ، والحلويات .
تكامل الحواضر : شكل ثنائي ( الكرك - الخليل ) وثنائي ( السلط - نابلس ) أوتاداً ثابتة في تاريخ المنطقة ، فالتاجر السلطي أو الكركي كان يجد شريكه التجاري ( الذي يُعرف بـ " الـصاحب " أو " الشبين " ) في نابلس أو الخليل ، وكانت المعاملات المالية والديون تُسجل وتُقضى بناءً على مواسم الحصاد ، مستندة إلى ثقة اجتماعية مطلقة تجاوزت الحدود الجغرافية الطبيعية للمنخفض .
إن القراءة المتأنية لتاريخ حوض البحر الميت توضح أنه لم يكن يوماً حداً عازلاً ، بل كان بمثابة " مغناطيس اقتصادي وجغرافي " جذب إليه الحضارات المتعاقبة لاستغلال ثرواته الكامنة من قار وأملاح وسكر . وإذا كانت المعابر البرية الحديثة ( كجسر الملك الحسين وجسر الأمير محمد ) هي الوريث الشرعي لطرق القوافل والمخاضات القديمة ، فإن الذاكرة التاريخية والحضارية للمنطقة تؤكد أن حوض البحر الميت يمثل أساساً متيناً لوحدة اقتصادية واجتماعية ضاربة جذورها في عمق التاريخ بين الأردن وفلسطين .
قائمة المصادر والمراجع :
1 ) ديودور الصقلي ( Diodorus Siculus ) : المكتبة التاريخية ( تاريخ الأنباط وقار البحر الميت ) ، ترجمات حوض شرق المتوسط القديم .
2 ) المقدسي ، شمس الدين محمد بن أحمد : أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم ، دار صادر ، بيروت ( توثيق ملاحات السكر والأملاح في غور الصافي وأريحا ) .
3 ) الحموي ، ياقوت : معجم البلدان ، دار صادر ، بيروت ( مادة : بحيرة زُغر والبحر الميت ) .
4 ) جريدة " سوريا " الرسمية ( ولاية سوريا العثمانية ) : أعداد أواخر القرن التاسع عشر ، التقرير الإداري الصادر عن مجلس إدارة ولاية سوريا بناءً على المداولات بين متصرفية لواء معان ورئاسة لجنة الأراضي السنية بخصوص تنظيم حركة ملاحة السفن السلطانية وأجور الركاب بين أريحا ورأس وادي الكرك ( الوثيقة المثبتة في الملف : 1000678468.jpg ).
6 ) أبحاث د . خير ياسين ود . مصطفى الحمارنة : دراسات في تاريخ وجغرافية شرق الأردن القديم ، منشورات الجامعة الأردنية ، عمان .
7 ) المنظمة العربية للتنمية الزراعية : تاريخ زراعة وقصب السكر وطواحينه في العصر المملوكي في الأغوار الجنوبية ( غور الصافي ) ، دراسات أثرية وميدانية تتبع لمركز أبحاث الإرث الحضاري الأردني .