ثلاثون دينارًا قد تبدو خبرًا جيدًا في العناوين، لكنها بالنسبة لكثير من الأردنيين ليست سوى محاولة للحاق بغلاء يسبق الجميع بخطوات طويلة.في كل مرة يُعلن فيها عن زيادة على الرواتب، يستقبلها المواطن الأردني بشيء من الأمل، لكنه سرعان ما يعود إلى حساباته اليومية ليكتشف أن الأرقام على الورق تختلف كثيرًا عن الواقع. فالموظف أو المتقاعد الذي يتقاضى راتبًا مقداره 265 دينارًا شهريًا، ويُنتظر أن يحصل على زيادة قدرها 30 دينارًا مع بداية عام 2027، لا ينظر إلى هذه الزيادة باعتبارها تحسنًا حقيقيًا في مستوى معيشته، بل كمسكن مؤقت أمام موجة متصاعدة من الغلاء.
فخلال السنوات الماضية، لم تعد المشكلة في قيمة الراتب فقط، بل في سرعة تآكل قدرته الشرائية. فأسعار المواد الغذائية ترتفع باستمرار، وكلف الكهرباء والمياه تزداد، وأسعار المحروقات تنعكس مباشرة على أجور النقل والمواصلات، بينما أصبحت خدمات الإنترنت والاتصالات من الضروريات التي لا يمكن الاستغناء عنها في الحياة اليومية.وعندما يحصل المواطن على زيادة مقدارها 30 دينارًا، فإن السؤال الحقيقي ليس كم أضيف إلى راتبه، بل كم سيتبقى منها بعد الارتفاعات المتوقعة في الأسعار والرسوم والخدمات. فالعائلة التي كانت تعاني لتغطية احتياجاتها الأساسية قبل الزيادة، لن تجد نفسها في وضع أفضل إذا كانت كلفة المعيشة ترتفع بوتيرة أسرع من نمو الدخل.
المواطن الأردني لا يطالب بالمستحيل، ولا ينتظر حلولًا سحرية، بل يتطلع إلى سياسات اقتصادية تحقق توازنًا بين الدخل وكلفة الحياة. فالزيادة الحقيقية ليست تلك التي تُضاف إلى كشف الراتب فقط، وإنما التي يشعر بها المواطن عند شراء حاجاته الأساسية، وعند دفع فواتيره الشهرية دون قلق أو استدانة.
إن تحسين مستوى المعيشة يتطلب رؤية شاملة تركز على ضبط الأسعار، وتحفيز الاقتصاد، وتوفير فرص العمل، وحماية الطبقة المتوسطة ومحدودة الدخل من التآكل المستمر. فالمواطن الذي يبدأ شهره براتب متواضع وينهيه بالديون، لا يبحث عن أرقام جديدة بقدر ما يبحث عن حياة أكثر استقرارًا وكرامة.