دخلت المواجهة العسكرية في الشرق الأوسط مرحلة غير مسبوقة من الغموض الاستراتيجي، مع تداخل ساحات المواجهة المباشرة بين طهران وتل أبيب مع الحرب الدائرة في جنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت تحديا وفي ظل جولة التصعيد الأخيرة الشديدة، يبرز السؤال المحوري الذي يشغل أروقة صناع القرار والباحثين في العلاقات الدولية : هل تمتلك إيران الأدوات الكافية لفرض كبح جماح التصعيد الإسرائيلي في الجبهة اللبنانية؟
لإجابة هذا السؤال يتعين تفكيك الديناميكيات الميدانية والسياسية عبر قراءة أكاديمية موضوعية ترصد ثلاثة محاور أساسية: حدود الردع العسكري، الحسابات السياسية الدولية، والتحولات البنيوية داخل "محور المقاومة".
تتحرك الدبلوماسية والعسكرية الإيرانية وفق نظرية "الدفاع الهجومي المتقدم". فالضربات الصاروخية اللامس واليوم والتي وجهتها طهران نحو العمق الإسرائيلي (مثل استهداف قاعدة "رامات دافيد" الجوية ورسائل التحذير الصادرة عن الحرس الثوري الإيراني) تندرج تحت مفهوم "الردع لمنع الحرب الشاملة" (Deterrence by Punishment).
تسعى طهران من خلال هذا النمط إلى إيصال رسالة واضحة تلخصت في تصريحات مسؤوليها بأن "أي تصعيد في جنوب لبنان أو الضاحية سيُقابل بضربات أشد إيلاما "ومن الناحية النظرية، تراهن إيران على أن رفع الكلفة البشرية والاقتصادية على إسرائيل قد يدفع القيادة العسكرية الإسرائيلية لإعادة حساباتها وتجنب الغرق في مستنقع بري أوسع في جنوب لبنان، لا سيما بعد الخسائر المتبادلة واختبار الخطوط الحمراء طوال الأشهر الماضية.
ثانياً: الفجوة الاستراتيجية وإصرار تل أبيب على "تغيير الواقع"
على الجهة المقابلة تبدو قُدرة إيران على "وقف" التصعيد كلياً محفوفة بكوابح جوهرية؛ إذ تتعامل إسرائيل مع الجبهة اللبنانية وحزب الله بوصفها "تهديداً وجودياً مباشراً" لا يمكن تأجيل حسمه. القراءة الأكاديمية للسلوك الإسرائيلي تشير إلى تحول في العقيدة الأمنية من "إدارة الصراع" إلى "الحسم العسكري الاستباقي".
تمثّل هذا الإصرار الإسرائيلي في كثافة الضربات الجوية والعمليات البرية وتخطي خطوط حمراء سابقة (كاستهداف الضاحية وبيروت)، مما يعكس رغبة تل أبيب في فرض واقع أمني جديد يعزل الجبهة اللبنانية عن أي تفاهمات إقليمية أو دولية أوسع. هذا الإصرار يجعل الهامش الإيراني للضغط الدبلوماسي أو العسكري المحدود غير كافٍ لفرض تراجع إسرائيلي كامل، بل قد يؤدي -على العكس- إلى توسيع دائرة الاستهداف الإسرائيلية لتشمل العمق الإيراني نفسه، كما جرى في تبادل الضربات الأخير.
ثالثاً: المتغير الدولي المتحرك والضغط الأميركي
لا يمكن قراءة فرص النجاح الإيراني بمعزل عن الموقف الأميركي؛ إذ تلعب إدارة واشنطن دوراً مزدوجاً ومؤثراً من خلال كبح جماح الحليف حيث يظهر الضغط الأميركي (المتمثل في تحذيرات الرئيس دونالد ترامب وتأكيداته على ضرورة عدم الرد وحماية مسار المفاوضات) ككابح أساسي يمنع تدحرج الأمور إلى حرب شرق أوسطية مدمرة كبرى.
إضافة الى الغطاء الاستراتيجي الذي توفره لحليفتها رغم رغبة واشنطن في التهدئة، فإنها تستمر في توفير الغطاء الأمني والدفاعي لإسرائيل، مما يقلل من الفاعلية الهجومية للضربات الإيرانية وحلفائها بالمنطقة، ويمنح إسرائيل أريحية نسبية في مواصلة عملياتها الموضعية في لبنان دون خوف من انهيار جبهتها الداخلية بالكامل وبناءً على المعطيات الأنفة، فإن فرضية "النجاح المطلق" لإيران في وقف التصعيد الإسرائيلي تبدو غير مرجحة على المدى القصير، كما أن "الفشل الكامل" مستبعد أيضاً. السيناريو الأكثر واقعية هو نجاح إيران في "ضبط إيقاع التصعيد ومنع تحوله إلى اجتياح شامل يفضي لتغيير جيوسياسي جذري"، وذلك عبر توليفة من الضغط العسكري المدروس بالتوازي مع فتح قنوات تفاوضية غير مباشرة برعاية دولية وان جنوب لبنان لم يعد مجرد جبهة محليّة، بل تحول إلى "ميزان حرارة" للصراع الدولي والإقليمي بالمنطقة؛ وستبقى قُدرة طهران على لجم الآلة العسكرية الإسرائيلية مرهونة بمدى استعدادها لتحمل كلفة مواجهة مباشرة أوسع، ومدى قدرة الدبلوماسية الدولية وخاصة باكستان على صياغة ترتيبات أمنية تضمن مصالح الأطراف وتنزع فتيل الانفجار الأكبر.