2026-06-11 - الخميس
وزارة العمل ترفع البطاقة الحمراء لعمل الأطفال nayrouz تكريم القاص الصمادي في نادي الفنانين باربد nayrouz حميدان يهنئ الخال حسن وليد السرطاوي بمناسبة عيد ميلاده ويتمنى له دوام الصحة والعافية nayrouz خبيران: الأردن يرسخ مكانته كمركز للربط الرقمي الإقليمي nayrouz عاجل : احالة 9 عمداء و16 عقيدا من ضباط الأمن العام إلى التقاعد.. أسماء nayrouz جامعة الزرقاء تشارك في مؤتمر دولي حول المناهج الدراسية في العلوم الشرعية والذكاء الاصطناعي nayrouz الخارجية الكويتية: تكرار الاعتداءات الإيرانية السافرة يعكس نهجا عدوانيا منظما لن نقبل به nayrouz برنامج "صحة ونصيحة" يستضيف النقيب شادي الوشاح للحديث عن العلاج الطبيعي وتأهيل الأطفال nayrouz 1700 شرطي لمواجهة احتجاجات تسبق افتتاح مونديال 2026 nayrouz تربية البادية الشمالية الغربية تنتخب رئيسا لمجلس التطوير التربوي nayrouz حزمة مشاريع استراتيجية لتطوير البنية التحتية لقطاعي المياه والصرف الصحي في مادبا nayrouz نادي اتحاد الرمثا يعين عبدالله القططي مديرا فنيا لفريق كرة القدم nayrouz المنطقة العسكرية الشمالية تُحبط محاولة تسلل على إحدى واجهاتها الحدودية nayrouz اللجنة الوطنية للعسكريين السابقين: الثورة العربية الكبرى ويوم الجيش محطتان وطنيتان تجسدان معاني الفداء والولاء nayrouz النعيمات يفتح مشروع حديقة التعليم المستدام في مدرسة ام عمارة الثانوية nayrouz حجازين: كأس العالم 2026 فرصة استراتيجية للترويج للمنتج السياحي الأردني عالمياً nayrouz البنك الأردني الكويتي الراعي البلاتيني لمعرض الوكالات والامتياز التجاري 2026 بالشراكة مع مصرف بغداد nayrouz حملة رقابية تنهي أعمال حفر بئر غير قانوني في جرش nayrouz هيئة الاتصالات تحذر: تعاملوا فقط مع شركات التوصيل المرخصة nayrouz الجبور يكتب المشاركة الأردنية في كأس العالم بين الواقع والطموح nayrouz

الفاهوم يكتب تدني الأجور وارتفاع تكاليف المعيشة.. معادلة تستنزف الإنسان وتُرهق الاقتصاد

{clean_title}
نيروز الإخبارية :


الأستاذ الدكتور أمجد الفاهوم

ليست مشكلة الأجور المتدنية مجرد قضية مالية بين موظف وصاحب عمل، كما قد يظن البعض، بل هي قضية تنموية واقتصادية واجتماعية وأخلاقية تمس استقرار المجتمع بأكمله. فحين لا يتناسب الأجر مع الجهد المبذول أو المؤهلات المطلوبة أو تكاليف المعيشة الحقيقية، فإن الخلل لا يبقى محصوراً داخل جدران المؤسسة، بل يمتد أثره إلى الأسرة والسوق والإنتاجية والاستقرار الاجتماعي.

لقد قامت فلسفة العمل الحديثة على مبدأ بسيط مفاده أن الأجر ليس ثمن الوقت فقط، بل هو مقابل القيمة التي يضيفها الإنسان للمؤسسة. ولذلك فإن المؤسسات الناجحة عالمياً لا تنظر إلى الرواتب باعتبارها تكلفة يجب تخفيضها، بل استثماراً يجب تعظيم عوائده. أما حين تتحول سياسة الأجور إلى سباق نحو الحد الأدنى، فإن المؤسسة تبدأ عملياً بتقويض أسس نجاحها بنفسها.

في العديد من بيئات الأعمال المعاصرة أصبح من المألوف أن نجد إعلانات وظيفية تطلب خبرات طويلة ومهارات متعددة ومسؤوليات واسعة مقابل أجور لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية للموظف. بل إن بعض المؤسسات أصبحت تخلط بين الحوافز والراتب الأساسي بطريقة تجعل دخل الموظف الحقيقي أقل بكثير مما تم الإعلان عنه. والأسوأ من ذلك أن بعض أصحاب العمل يعتقدون أن وفرة الباحثين عن العمل تمنحهم الحق في فرض شروط غير عادلة أو أجور لا تتناسب مع طبيعة الوظيفة ومتطلباتها.

ومن المفارقات المؤلمة أن كثيراً من المؤسسات التي تسعى لتقليل الرواتب بحجة خفض النفقات تتجاهل أن تكلفة دوران الموظفين، وإعادة التوظيف، والتدريب المستمر، وفقدان الخبرات، غالباً ما تكون أعلى بكثير من تكلفة منح رواتب عادلة منذ البداية.

ولعلنا نجد أمثلة واقعية عديدة في مختلف القطاعات. فهناك خريجون جامعيون أمضوا سنوات في الدراسة والتدريب ثم يجدون أنفسهم أمام عروض عمل بالكاد تغطي تكاليف النقل. وهناك مديرو مبيعات أو مختصون في التسويق أو البرمجيات أو الهندسة يحملون سنوات من الخبرة لكنهم يعملون بأجور لا تعكس القيمة الحقيقية التي يضيفونها لمؤسساتهم. وفي المقابل نجد شركات عالمية كبرى أدركت مبكراً أن الاستثمار في الموظف هو الطريق الأقصر للربحية المستدامة، فرفعت أجورها وحسّنت مزاياها الوظيفية، فكانت النتيجة ارتفاع الولاء الوظيفي وزيادة الإنتاجية وتحسن جودة الخدمات والمنتجات.

إن الموظف الذي يقضي يومه منشغلاً بكيفية تسديد إيجار منزله أو توفير احتياجات أسرته الأساسية لن يمتلك المساحة الذهنية الكافية للإبداع أو الابتكار أو التفكير الاستراتيجي. فالاحتياجات الأساسية غير المشبعة تستهلك الطاقة النفسية والعقلية للإنسان وتجعله يعمل بمنطق البقاء لا بمنطق الإنجاز.

ومن هنا تبدأ سلسلة من الآثار السلبية المتراكمة. فالأجور المتدنية تدفع أصحاب الكفاءات إلى الهجرة أو البحث عن فرص بديلة، وتؤدي إلى ارتفاع معدلات التنقل الوظيفي، وتضعف الانتماء المؤسسي، وتزيد من ظواهر العمل الإضافي غير المنظم، بل وقد تدفع بعض الأفراد إلى البحث عن مصادر دخل غير رسمية أو غير مستقرة. ومع مرور الوقت تتراجع جودة الخدمات والإنتاج، ويصبح الاقتصاد أقل قدرة على المنافسة واستقطاب الاستثمارات النوعية.

أما على المستوى المجتمعي، فإن ضعف الأجور يسهم في اتساع الفجوة بين الطبقات الاجتماعية، ويؤخر تكوين الأسر الجديدة، ويقلل القدرة الشرائية للمواطنين، ويؤثر سلباً على قطاعات التجارة والإسكان والتعليم والصحة. فالموظف الذي لا يملك فائضاً مالياً للإنفاق لن يكون قادراً على تحريك عجلة الاقتصاد المحلي، ما يؤدي إلى تباطؤ النمو الاقتصادي بشكل عام.

وهنا يبرز الدور المحوري للحكومات. فالحكومة ليست مجرد جهة تحدد الحد الأدنى للأجور، بل هي مسؤولة عن بناء بيئة عمل عادلة ومتوازنة. ويتطلب ذلك تحديث تشريعات العمل بصورة مستمرة، وربط الحد الأدنى للأجور بمؤشرات التضخم وتكاليف المعيشة، وتعزيز الرقابة على عقود العمل، ومنع الممارسات التي تؤدي إلى التحايل على الرواتب الحقيقية، وتشجيع المؤسسات الملتزمة بسياسات أجور عادلة من خلال الحوافز والتسهيلات المختلفة.

كما يقع على عاتق الحكومات الاستثمار في التعليم والتدريب المهني والتقني لرفع إنتاجية القوى العاملة، لأن الأجور المرتفعة والمستدامة ترتبط في النهاية باقتصاد منتج قادر على خلق قيمة مضافة حقيقية.

وفي المقابل، فإن مسؤولية القطاع الخاص لا تقل أهمية. فالمؤسسة الناجحة هي التي تمتلك هيكلاً واضحاً وعادلاً للرواتب يعتمد على المؤهلات والخبرات والأداء والمسؤوليات الوظيفية، وليس على المزاج الشخصي أو قوة التفاوض الفردية. كما ينبغي أن تكون سياسات الأجور شفافة ومعلنة وقابلة للمراجعة والتطوير وفقاً لمتغيرات السوق.

لقد أثبتت التجارب العالمية أن المؤسسات التي تعامل موظفيها كشركاء في النجاح تحقق نتائج أفضل على المدى الطويل من المؤسسات التي تنظر إليهم باعتبارهم مجرد تكلفة تشغيلية. فالإنسان المطمئن مادياً أكثر قدرة على الإبداع، وأكثر التزاماً، وأكثر استعداداً لبذل الجهد الإضافي حين تتطلب الظروف ذلك.

والدرس الأهم الذي ينبغي أن نتعلمه هو أن العدالة في الأجور ليست ترفاً اقتصادياً ولا مطلباً نقابياً فحسب، بل هي حجر الأساس في بناء مجتمع مستقر واقتصاد قوي ومؤسسات قادرة على الاستمرار. فكل دينار يُدفع بعدالة لموظف يستحقه يعود في النهاية إلى السوق على شكل استهلاك واستثمار وتعليم وصحة واستقرار اجتماعي.

أما حين يصبح الراتب أقل من قيمة العمل، فإن الخاسر الحقيقي لا يكون الموظف وحده، بل المؤسسة والاقتصاد والمجتمع بأسره. فالأمم لا تُبنى بالاستغلال، وإنما تُبنى حين يشعر الإنسان أن جهده مقدّر، وأن كرامته مصونة، وأن ما يقدمه من عمل يعود عليه وعلى أسرته بحياة كريمة تليق بإنسانيته وعطائه.