يكسر القلبَ أن ترى عرق السنين ، وشقاء الأيام ، يعلوه السواد في غمضة عين . يكسر القلبَ حقاً أن تقف عاجزاً ، واجماً ، والذهب الأصفر الذي رعيته بدمع العين حبةً حبة ، وشيّدته في خيالك سقفاً لبيت ، أو قسطاً لجامعة ، أو ستراً لأيامٍ مقبلة ، يتحول أمام ناظريك المذهولتين إلى رمادٍ أسود تذروه الرياح .
في مساء امس الثلاثاء الحزين ، ارتدت سهول شرق إربد ( سهول بلدتنا بلدة حوارة ) ثوباً واهناً ومفجعاً لم يكن يليق بها يوماً . هذه السهول الممتدة ، التي طالما كانت رمزاً أصيلاً للعطاء ، ومصدراً للخير الوفير ، وملاذاً لقلوب المزارعين الذين جُبلت أرواحهم بترابها الطاهر ، غدت الليلة مسرحاً للوجع ومقبرةً للأحلام .
التهمت ألسنة اللهب ، بلا رحمة ، مساحات شاسعة من محاصيل القمح الجافة ، وبفعل رياحٍ عاتية لم تكترث لحرقة قلوبنا ، امتدت النيران كوحشٍ كاسر لا يبقي ولا يذر ، لتلتهم معها آمالاً عريضة بناها مزارعونا الأخيار طوال موسم كامل من الصبر المرير ، والانتظار ، والترقف ، والدعاء .
عندما يبكي الشجر والحجر :
لقد كانت المشاهد القادمة من بلدتي بلدة حوارة (
شرق إربد ) تُدمي القلوب وتُبكي العيون ، أعمدة الدخان الأسود الكثيف وهي تصعد متلاحقة لتحجب ضياء المساء ، وصوت تكسر السنابل الغالية تحت وطأة النار يتردد في المدى كأنه أنين الأرض الوجيعة . ورغم البسالة الكبيرة والجهود الجبارة التي بذلها رجال الدفاع المدني الأشاوس ، الذين واجهوا النيران المستعرة بصدورهم لحماية ما يمكن حمايته ومنع امتداد الكارثة إلى البيوت والمنشآت المجاورة ، إلا أن حجم الخسارة في الأرزاق كان موجعاً ، وفوق قدرة الاحتمال .
إن عزاءنا الوحيد ، والبلسم الذي يواسينا في هذه الفاجعة ، هو سلامة الأرواح ، وأن أحداً من أهلنا وأبنائنا لم يمسسه سوء بفضل الله ورعايته . فالأرواح لا تُعوّض ، والحمد لله الذي قدّر فلطف ، وسلّم الإنسان في وسط هذا الحريق الضخم .
نسأل الله التعويض :
أمام هذا المشهد المأساوي القاسي ، لا نملك إلا أن نرفع أكف الضراعة بقلوب منكسرة إلى رب السموات والأرض ، ونقول بلسان المؤمنين الصابرين بقضاء الله وقدره : " اللهم أجرهم في مصيبتهم ، وأخلف لهم خيراً منها " .
نسأل الله العلي القدير ، من فوق سبع سموات ، أن يجبر كسر قلوب أصحاب هذه السهول والمحاصيل ، وأن يمسح على قلوبهم جراء ما فقدوا ، وأن يرزقهم من واسع فضله وخزائنه تعويضاً مباركاً ينسيهم مرارة هذه الليلة الحالكة . إن المزارع الأردني ، الذي جبل عرقه بتراب هذا الوطن ، كان دوماً صابراً محتسباً على الشدائد ، ونحن على يقين تام بأن هذه الأرض التي احترقت اليوم بلهيب النار ، ستعود غداً لتخضر وتزهر بجهود أبنائها وعزيمتهم التي لا تلين ولا تنكسر .
حمى الله محافظة إربد ، وحمى الله الأردن وأهله من كل مكروه وسوء .