في غابر الأزمان كانت ( محاكم التفتيش ) تمثل أبشع صور السلطة المطلقة التي تصدر أحكام الإعدام المعنوي والجسدي بناءً على الشبهات والوشايات ، دون منح المتهم فرصة حقيقية للدفاع عن نفسه ، واليوم ، ومع بزوغ فجر العصر الرقمي ، يبدو أن التاريخ يعيد إنتاج نفسه بثوب تكنولوجي جديد ، حيث تحولت منصات التواصل الاجتماعي من مساحات للتعبير والتلاقي ، إلى ( محاكم تفتيش رقمية ) معاصرة ، تمارس ساديتها الجمعية تحت مسمى (التريند أو الهاشتاغ ) في هذه المحاكم الافتراضية ، تلغى القواعد الأصولية للتقاضي فالقاضي هو خوارزمية تبحث عن التفاعل ، والادعاء العام هو إشاعة مجهولة المصدر، والجلاد هو حشد من المغردين والمتابعين الذين يطلقون
أحكامهم القاطعة بـ ( نقرة زر ) ليتمخض عن ذلك كله أبشع جريمة معنوية
عرفها العصر الحديث .
واذ يقف العالم اليوم على أعتاب سيولة رقمية غير مسبوقة ، تحولت فيها شاشات الهواتف المحمولة من أدوات للتواصل إلى منابر لصناعة الرأي وتوجيهه ، غير أن هذا التدفق المعلوماتي السريع حمل معه ظاهرة بالغة الخطورة ، تفترس السلم الأهلي وتهز الاستقرار المجتمعي ، وهي ظاهرة ( اغتيال الشخصية الرقمي )
وتحول منصات التواصل الاجتماعي إلى
( محاكم تفتيش ووعظ عشوائية تصدر صكوك الإدانة والبراءة )
بحق الأفراد والمؤسسات ، قبل أن تنطق العدالة الرسمية بكلمتها الفصل .
إن مدخل الشر الفكري المتطرف وغير الواعي يكمن دائماً في تغليب العاطفة الاندفاعية والجهل المقدس على منطق العقل والتبين القانوني . في ثقافة الفضاء الأزرق ، يتناسى الكثيرون المبدأ الدستوري والقانوني الراسخ :
( المتهم بريء حتى تثبت إدانته بحكم قضائي مبرم ) فبمجرد انتشار مقطع مصور أو منشور مجتزأ ، تندفع الحشود الرقمية مدفوعة ،
بـ ( تطرف عاطفي لجلد المستهدف أخلاقياً واجتماعياً ) واغتيال سمعته وتدمير عائلته ، دون وازع من ضمير أو التزام بحدود التشريع وبنيته الجنائية الحامية للكرامة الإنسانية .
إن خطورة المحاكمات الشعبية الإلكترونية لا تقف عند حدود الضرر النفسي والاجتماعي الواقع على الضحية وعائلته فحسب ، بل إنها تمثل اعتداءً صارخاً على سيادة الدولة وتعدياً على اختصاص سلطاتها الدستورية والقضائية ، وهذه السلوكيات العشوائية تخلق بيئة خصبة لبث الشائعات والمغالطات المضللة ، وتزييف وعي المواطن عبر استعراضات رقمية زائفة يسعى أصحابها لحصد التفاعل والمشاهدات على حساب الحقائق وتماسك النسيج الوطني والاجتماعي لبنية المجتمع الأردني .
أمام هذه الفوضى العارمة ، يتوجب على كل مواطن غيور وحريص التمسك بالوعي والمنطق ، وتعزيز الثقة المطلقة بمؤسسات الدولة ومؤسساتها الأمنية والقضائية المحترفة .
إن جهاز الأمن العام ، وتحديداً (وحدة الجرائم الإلكترونية) ، يمتلك من الكفاءة التكنولوجية والخبرة الميدانية ما يمكنه من ملاحقة المتجاوزين ومرتكبي الجرائم الرقمية بكل سرية ونزاهة ، وصولاً إلى قضاء أردني عادل ومستقل هو وحده صاحب الصلاحية والولاية القانونية في وزن البينات وإصدار الأحكام المقررة فاللجوء إلى القانون والنظام والانضباط هو السلوك العقلاني الوحيد الذي يحمي المجتمع من الانزلاق نحو غابة الفوضى والافتراء الرقمي .
صـرخــة وعــــي وطــنـــيــــة .
إن حماية الأمن الفكري والوطني لبلدنا تتطلب وقفة حازمة من كافة أبناء المجتمع لمواجهة هذا الانفلات الرقمي .
تـحـكـيــم الـعـقـل وحـظــر الـتــداول .
توقف فوراً عن إعادة نشر أو مشاركة أي محتوى يمس كرامة الأفراد
أو يوجه اتهامات مرسلة قبل صدور البيانات الرسمية من الجهات القضائية
أو الأمنية المختصة .
الالــتــزام بـالـــقــنـــوات الــرســمــيـــة .
تذكر دائماً أن المنصات ليست مكاناً لرد الحقوق أو إقامة العدالة ،
وأن هيبة الدولة وسيادة القانون هما المظلة التي تحمي الجميع دون تمييز أو مواربة ،
الــوعــــي والــتـبـيــن كــواجـــب وطــنـــي .
اجعل من تصفحك للمساحات الرقمية سلوكاً مسؤولاً ، واعلم أن جرة قلم رقمية طائشة أو تعليقاً عاطفياً غير واعٍ قد يتحول في لحظة إلى قيد جنائي يضعك تحت طائلة المساءلة القانونية والقضائية .
حفظ الله الأردن عزيزاً شامخاً ، وحفظ قيادتنا الهاشمية الفذة ، وأجهزتنا الأمنية وقواتنا المسلحة الباسلة درعاً وسياجاً لهذا الوطن المنيع .