تمكنتُ اليوم، برفقة صديقي السيد منذر أبو رصاع، من تشجيع منتخبنا الوطني عبر حضور البث الجماهيري الضخم لمباراة كأس العالم التي جمعت منتخب النشامى الأردني بالمنتخب النمساوي.
كانت مشاعر لا توصف؛ إذ شارك ما يناهز الأحد عشر ألف مشجع ومشجعة في متابعة المباراة عبر أكبر شاشة عرض نُصبت في الأردن على امتداد المدرج الروماني في قلب العاصمة عمان. وقد تحوّل المكان إلى لوحة وطنية زاهية بالألوان الأردنية، حيث ارتدى كثيرون قمصان المنتخب الوطني، ورفعوا الأعلام الأردنية، وتلفحوا بالشماغ الأحمر الذي يرمز إلى العزة والشهامة والانتماء.
التف الجميع حول المنتخب بروح وطنية رائعة عبّرت عن الانتماء الصادق لتراب الأردن وقيادته وتاريخه المشرف، وعن الوقوف خلف منتخبنا الوطني الذي يمثل جميع الأردنيين في الوطن والمهجر، بل ويحظى بمحبة وتقدير شعوب عربية كثيرة تكن للأردن وقيادته وشعبه كل الاحترام. ويُذكر أن أكثر من اثنين وأربعين ألف متفرج أردني حضروا المباراة في مدينة سان فرانسيسكو الأمريكية، يتقدمهم سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد المعظم، وسمو الأميرة رجوة الحسين، وسمو الأمير علي.
لقد كان شعوراً مهيباً أن نعيش أجواء المباراة لحظة بلحظة، ونحن نتابع أداء فرسان النشامى الذين قاتلوا ببسالة وشجاعة وروح رياضية عالية حتى صافرة النهاية، وبذلوا أقصى ما لديهم من جهد وإمكانات أمام منتخب يضم لاعبين محترفين في أندية عالمية عريقة، مثل ريال مدريد وبايرن ميونخ ودورتموند، وهي أندية تملك خبرات طويلة ومتراكمة في المنافسات الدولية الكبرى.
وللأمانة، فإن منتخبنا الوطني لم يقصّر بشيء، ولا يجوز أن نقسوارعالى أنفسنا أو أن نجلد أنفسنا أو نختزل الأداء بالنتيجة فقط. فقد قدّم لاعبونا مباراة مشرّفة أظهروا فيها مهاراتهم وقدراتهم وإصرارهم. وهذا ما أكده المدرب القدير جمال السلامي عندما أشار إلى أن النتيجة لا تعكس حقيقة الأداء الذي قدمه المنتخب طوال المباراة، فقد كان الأداء كبيرا.
إن الأيام المقبلة والمباريات القادمة كفيلة بصقل شخصية هذا المنتخب الواعد وتعزيز خبرته الدولية، حتى يصل إلى مستويات أعلى من المنافسة العالمية. فالإرادة التي يتمتع بها النشامى راسخة رسوخ جبال عمان، ومستمدة من إرادة شعب أردني صلب وعنيد لا يعرف اليأس، ويؤمن بأن النجاح ثمرة العمل والمثابرة، ومن دعم قيادة هاشمية حكيمة لم تدخر جهداً في مساندة المنتخب الوطني ومرافقته وتشجيعه.
ومن هنا تكتسب كلمات سمو ولي العهد أهمية خاصة حين قال: "لازم يكون نفسنا أطول شوي". إنها عبارة تختصر فلسفة النجاح بأكملها؛ فالبناء الحقيقي يحتاج إلى الصبر، والإنجاز الكبير يحتاج إلى المثابرة، والطموحات الوطنية الكبرى لا تتحقق بين ليلة وضحاها. فكما أن الأمم تُبنى بالتدرج والعمل المتواصل، كذلك المنتخبات الوطنية تصنع أمجادها بالتراكم والخبرة والإصرار.
نعم، سيكون نَفَسُنا طويلاً. فالرياضة منافسة شريفة تحتمل الفوز والخسارة، لكنها لا تحتمل الاستسلام. والمطلوب هو الاستمرار في بذل أقصى الطاقات بروح تعكس أصالتنا وأخلاقنا وقيمنا الوطنية وروحنا الرياضية. ولا شك أن الفوز سيأتي في محطات قادمة، "لأن من جدّ وجد، ومن سار على الدرب وصل" .
لقد كشفت مشاركة منتخبنا الوطني في كأس العالم عن مدى تعلق الأردنيين بكرة القدم، وعن حجم الطاقة الإيجابية الكامنة لدى شبابنا، الأمر الذي يدعونا إلى الاستثمار أكثر في الرياضة والشباب، وتوفير البيئة التي تمكنهم من الإبداع والتميز، بما يسهم في رفع اسم الأردن عالياً في مختلف المحافل الإقليمية والدولية.
وكل الشكر والتقدير للجهود الكبيرة التي بُذلت لإنجاح عرض المباراة، ولجميع الجهات التي أسهمت في التنظيم والأمن والخدمات، وفي مقدمتها مديرية الأمن العام، وأمانة عمان الكبرى، ووزارة الشباب.
أما أنتم يا نشامى الأردن، فلكم منا كل التقدير والاعتزاز. لقد حققتم إنجاز التأهل إلى كأس العالم، وهو إنجاز تاريخي سيبقى مصدر فخر لكل أردني. ونقول لكم بكل محبة: لقد أسعدتم الوطن، وما زلنا ننتظر منكم الكثير.