بعد أن فككنا في المقالات السابقه الأبعاد القانونية والصدام التشريعي مع شركات التكنولوجيا ، نصل اليوم إلى الجزء أو المحور ،
الأكثر ملامسة للمجتمع الأردني .
المحور الشرعي .
فمنظومة المواريث في قانون الاحوال الشخصيه الاردني ، تستمد احكامها مباشرة
من الفقه الاسلامي الغني بمرونته ، وقدرته على استيعاب النوازل فكيف ينظر الفقه المعاصر الى هذه الاصول الافتراضيه ، وهل ( تعد مالا يورث ) .
مفهوم ( المال ) وتطوره من الأطيان إلى الأكواد .
في الفقه التقليدي المستقر ، التركة هي كل ما يتركه المتوفى من أموال وحقوق ثابتة .
ولكن مع الثورة الرقمية ، ظهرت أصول جديدة غير ملموسة ، مثل القنوات الموثقة ذات العوائد الإعلانية ، المواقع الإلكترونية ، المحافظ الرقمية للعملات المشفرة ،
والصفحات التجارية التي تمتلك قيمة تسويقية عالية .
وهنا يبرز لنا السؤال الاخطر : هل يصح تكييف هذه الأصول كـ ( مال شرعا )
الاجتهاد الفقهي المعاصر ومجامع الفقه الإسلامية تتجه بشكل واضح إلى توسيع مفهوم المال ليشمل ( الحقوق المعنوية والمنافع والحقوق الفكرية ) .
وبما أن هذه الحسابات والأصول الرقمية لها قيمة مالية معتبرة في العرف التجاري الحالي ، ويمكن تقييمها بالمال ويجري عليها التبادل ، فإنها تأخذ حكم
( المال ) الذي يجب أن ينتقل إلى الورثة شرعاً ،
ولا يجوز لأي جهة حرمانهم منه .
معضلة الحقوق المجرّدة وحق الخصوصية .
بالمقابل ، هناك شق آخر في التركات الرقمية لا يحمل قيمة مالية ، بل قيمة أدبية وشخصية ، كالحسابات الشخصية على منصات التواصل ، المراسلات ، والصور المخزنة سحابيا ً.
في الفقه الإسلامي ، هناك تمييز دقيق بين ( الحقوق المالية ) التي تنتقل بالضرورة للورثة ، وبين ( الحقوق الشخصية اللصيقة بالإنسان ) التي قد تسقط بموته
حماية لخصوصيته وسرّيته .
هنا تبرز دقة الموازنة الفقهية والقانونية : كيف نحمي :
( حق الخصوصية وسرية المراسلات ) للمتوفى ( وهو حق مصان شرعاً وقانوناً )،
دون أن نمنع الورثة من الوصول إلى ذكرياتهم العائلية أو وثائقهم المشتركة ،
وهذا التوازن يتطلب اجتهاداً قضائياً وتشريعياً مرناً يفرّق بين
الاطلاع بغرض الإرث والاستمرار المالي وبين التفتيش في الأسرار الشخصية .
الحاجة إلى الوصية الرقمية .
أمام هذا التداخل الفقهي ، يبرز دور ( الوصية ) كأداة شرعية وقانونية حاسمة .
ومن وجهة نظري كحامي وصاحب رساله مقدسه ارى : إننا بحاجة اليوم لتوعية المجتمع بثقافة ( الوصية الرقمية ) حيث يقوم الشخص في حياته بتحديد مصير حساباته وأصوله الرقمية ، وتعيين ( وصي رقمي ) يملك صلاحية إدارة هذه التركة أو إغلاقها بعد وفاته ، وهو إجراء يتماشى تماماً مع المقاصد الشرعية
في حفظ الأموال والحقوق ومنع النزاعات بين الورثة .
وللحديث بقية في
( الجزء الرابع والأخير ) ،
حيث انني بصدد وضع
( مسودة المقترح التشريعي ) لتقديم حل عملي أمام المشرّع الأردني ، الذي نعتز نفتخر به .