تفرض قراءة التاريخ كعلم – بعيداً عن السرديات التبسيطية – واقعاً صارماً مفاده أن موازين القوى هي المحرك الوحيد للتاريخ، وأن ما يشهده العالم اليوم من تحركات دولية ليس إلا فصلاً جديداً من فصول هذا الصراع المستمر.
الستين يوماً: المناورة لا التفاوض
تأتي التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول مصالح إسرائيل، وما يرافقها من مطالب بإخضاع إيران، لتكشف عن طبيعة المرحلة الانتقالية الحالية. إن مهلة الـ 60 يوماً – كما تظهرها المعطيات الاستراتيجية – ليست نافذة دبلوماسية للتفاوض، بل هي فترة "إعادة تقييم استراتيجي" تهدف إلى تحديد طبيعة الضربة القادمة، سواء كانت تقنية (سيبرانية) أو عسكرية شاملة. إن التعامل الأمريكي مع إيران يتجاوز مفهوم "الخصم" ليصل إلى فرضية "الاستسلام المشروط"، حيث تُستخدم بنود الاتفاقيات المطروحة كـ "مسكنات" سياسية لاحتواء الوقت، بينما تُجهز الآلة العسكرية لفرض واقع جيوسياسي جديد.
إن التاريخ يخبرنا بأن القوى العظمى، في لحظات زهوها وسطوتها، غالباً ما تسقط في فخ "التعالي" الذي يتجاوز المواثيق والقيم. فنموذج "الفرعونية السياسية" الذي يظهر في تغييب الحسابات الأخلاقية أمام المصالح الذاتية هو سمة تكررت عبر العصور، من الإمبراطوريات القديمة وصولاً إلى القوى الاستعمارية الحديثة (كاليابان في مرحلة صعودها، أو الغرب في هيمنته الراهنة). وكما يظهر ترامب في خطابه السياسي، فإن الصديق والعميل سواء أمام "منطق المصلحة"، حيث لا قيمة للعهود إذا تعارضت مع الأجندات العليا للقوة المهيمنة.
تتجلى صراحة ترامب في عدم احترامه للأعراف الدبلوماسية، وهو ما يتناغم مع عقيدة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي أشار في مناسبات عديدة إلى أن "إسرائيل لا تنتظر إذناً من أحد للدفاع عن وجودها"، مؤكداً في تصريحاته الأخيرة (أمام الكنيست أو في المحافل الدولية) أن "الشرق الأوسط يحترم الأقوياء فقط". هذا التطابق في الرؤية بين واشنطن وتل أبيب ينسف ادعاءات الحضارة والمبادئ التي تروج لها المؤسسات الدولية، ويكشفها كغطاء أيديولوجي يُساق للشعوب لضمان استمرار حالة التلقين والتبعية.
إن الأمة العربية، في ظل هذا المشهد، تقف أمام تحدٍ وجودي. إن السكوت أو المراهنة على أدوار سياسية "ثانوية" في النظام الدولي هو وهمٌ تذروه الرياح عند أول اختبار للقوة. إن السياسة الدولية لا تمنح مقاعد للأمم التي لا تملك "قوة القرار" أو "إرادة الفعل". إن ما يُسمح به لبعض العواصم من هامش تصريحات شعبوية لا يعدو كونه "تنفيسًا" لامتصاص الغضب الشعبي، بينما تُتخذ القرارات الفعلية في غرف مغلقة تُفرض فيها الإملاءات بعيداً عن الأضواء.
إن هذه القراءة هي دعوة لإدراك حقيقة أن القوة هي العملة الوحيدة المعترف بها في دهاليز السياسة الدولية. إن الثقة المفرطة في الغرب المتغطرس وربيبته إسرائيل لم تعد خياراً سياسياً، بل هي تجهيل ممنهج لوعي الأمة وضياع لمستقبل أجيالها. يتوجب على العقل العربي الاستيقاظ من غفوة "التصفيق" والالتفات لبناء القوة الذاتية، فالضعف ليس رادعاً للعدوان، بل هو وقودٌ له.