شهدت الساحة الأردنية في الآونة الأخيرة نقاشاً مستفيضاً حول تطبيق سيادة القانون، وتحديداً فيما يتعلق بتنفيذ أحكام الإعدام بحق عدد من المحكومين الذين استنفدوا كافة مراحل التقاضي وصدرت بحقهم مصادقات قانونية قطعية، حيث تأتي هذه الخطوات الصارمة من قِبل الحكومة الأردنية في توقيتٍ بالغ الحساسية يواجه فيه المجتمع تحديات أمنية متزايدة تمس استقراره وسكينته، لا سيما في ظل وجود نحو 300 شخص في الأردن محكومين بأحكام قطعية بالإعدام ولم يتم تنفيذ الأحكام بهم بعد، ومع تصاعد المواجهات ضد تجار المخدرات وقوى الإرهاب والخارجين عن القانون الذين لم يتورعوا عن إطلاق العيارات النارية باتجاه منتسبي القوات المسلحة والأجهزة الأمنية والمواطنين ، ومن هنا فإن إعادة تفعيل وتنفيذ عقوبة الإعدام لا تأتي من باب التشفي بل هي استجابة حتمية لمتطلبات الأمن الوطني وتحقيقاً للتوازن الدقيق بين الفلسفة الجنائية وأمن البلاد وتحقيق الردع العام والخاص وفلسفة العقوبة في الشريعة الإسلامية لحماية المجتمع، تنطلق العقوبة الجنائية من غايتين أساسيتين تتبلوران في آن واحد عند تطبيق القصاص؛ أولاهما الردع الخاص الذي ينهي خطورة المجرم نفسه بشكل قطعي بعدما أثبت بسفكه للدماء وترويعه للآمنين واستهدافه لحماة الديار عدم أهليته للعيش في مجتمع مسالم، وثانيتهما الردع العام الذي يرسل رسالة إنذار صارمة لكل من تسول له نفسه العبث بأمن الوطن كفّاً ليده وتراجعاً عن جرمه، وهذا المزيج المتناسق بين الردعين هو جوهر ما أسسته الشريعة الإسلامية الغراء لحماية النفس البشرية وصيانة المجتمع، حيث لم ينظر الإسلام إلى العقوبة كأداة قاسية بل كدرع واقٍ يحقق الحياة والسكينة للجميع، من قول الله تعالى في محكم تنزيله: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}، فالآية الكريمة تؤكد أن القصاص من القاتل والمفسد هو في حقيقته حياة مستدامة تحقن دماء الأبرياء، كما أن قضايا الإرهاب والمخدرات تندرج شرعاً تحت حد "الحرابة" والإفساد في الأرض الذي قال الله تعالى فيه: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}.
وان الأردن يمر بمرحلة فريدة يواجه فيها حرباً ممنهجة على حدوده وفي داخله تقودها عصابات تهريب المخدرات، وحيث إن الأمر لم يعد يقتصر على التجارة غير المشروعة بل تعداه إلى استهداف مباشر لرجال الأمن والقوات المسلحة -الجيش العربي- بإطلاق العيارات النارية ومحاولة زعزعة الاستقرار، فإن التراخي في تنفيذ العقوبات القضائية القطعية لاسيما مع تكدس أعداد المحكومين دون تنفيذ يصبح بمثابة ضوء أخضر للعصابات للاستمرار في غيها، ولذا فإن إعدام هؤلاء المجرمين يرسخ هيبة الدولة ويؤكد أن الدم الأردني ودم جندنا البواسل ليس رخيصاً وأن يد العدالة طائلة وباطشة بالشر لضمان السكينة العامة في الوقت الذي تتعالى بين الحين والآخر أصوات المنظمات الدولية ومطالبات حقوق الإنسان الداعية إلى إلغاء عقوبة الإعدام أو تجميدها بدعوى حماية الحقوق الفردية، إلا أن الاستجابة لهذه الإملاءات والضغوط الخارجية المنافية لواقع التحديات الراهنة تنطوي على ارتدادات خطيرة تؤثر سلباً على أمن المجتمع الأردني واستقراره؛ إذ إن إغفال حق الضحايا وأسر الشهداء وحق المجتمع في العيش الآمن مقابل الالتفات لحق المجرم يساهم في إضعاف هيبة القانون واهتزاز الطمأنينة العامة، ومن هنا تبرز المصلحة الوطنية العليا في صون السيادة المطلقة للدولة الأردنية المرتكزة على خصوصيتها الثقافية والدينية والشرعية، فالأردن هو الأدرى بشعابه وبتحدياته الأمنية وإنفاذ القصاص بحق من تلطخت أيديهم بدماء حماة الوطن والمواطنين الابرياء وتدمير عقول شبابه هو قرار سيادي صارم لا يقبل التراخي أو المساومة، لتظل يد العدالة هي الحصن المنيع لردع كل من تسول له نفسه المساس بأمن الأردن واستقراره.