برحيل المغفور له بإذن الله تعالى , الشيخ عناد محمد الفايز (أبو فايز)، لا يُطوى سجل رجلٍ ولا كل الرجال فحسب، بل تغيب صفحة من صفحات الرجال الذين حملوا أمانة العشيرة والوطن بصدق وثبات وشجاعة ومرؤة، وعاشوا حياتهم منحازين لقيم الشرف والوفاء والإصلاح بين الناس, ولم يجرؤ احد على مساسهم او النيل منهم .
كان الشيخ عناد رحمه الله وساكنه فسيح جناته , من أولئك الرجال الذين يشبهون السيوف العربية الأصيلة؛ صلابة في الموقف، ووضوحاً في الكلمة والرؤيا، وثباتاً عند الشدائد. وإذا كان السيف يصدأ أو ينبو مع الزمن، فإن سيف الشيخ عناد ظل حاداً في الدفاع عن الحق، صادقاً في الانتصار للمروءة، لا يعرف التردد حين تستدعيه الواجبات الاجتماعية والوطنية, عصيا ابيا على التركيع.
وكان، رحمه الله، ليناً مع الضعفاء، نداً للأقوياء، فاجتمعت فيه الرحمة والهيبة معاً والابتسامة والكرامة والحزم والحلم واللين والصلابة كل في موضعها , وكان سابقا لعصره في نظرته المتنورة للتطور والبناء والزراعة وبناء المدارس وتدريس البنات والأولاد في الداخل والخارج , ولذلك صنعت له اعماله مع الأيام مكانةً تفوقت على هيبة أولئك الذين يحيطون أنفسهم بالحراس والسلاح.
أما الشيخ عناد، فكانت هيبته تغني عن طوابير المسلحين، وكان اسمه وحده يكفي حيث لا تكفي ألقاب السلطة ومظاهر القوة والمجد البالوني. لقد كانت هيبته هي هيبة الرجال الذين يبرزون في المواقف، لا هيبة الرجال الذين تصنعهم المناصب.
وكان جوده وكرمه مضرب المثل؛ يجعل الفقير برحابه في أمن وطمأنينة، ويترك البخلاء في حيرة أمام سعة عطائه. لم يكن الكرم عنده فعلاً موسمياً أو استعراضاً اجتماعياً، او مصلحة انيَّة , بل كان جزءاً من تكوينه الإنساني، ومن فهمه لمعنى الزعامة الحقيقية التي تقوم على العطاء قبل الأخذ، وعلى خدمة الناس قبل طلب الولاء منهم.
عرفناه صاحب مواقف لا تخضع لحسابات الربح والخسارة، ولا تتبدل بتبدل الظروف. كان متجذراً في أرض الآباء والأجداد، عاشقاً للأردن، وللقسطل، ومحباً لقبيلته بني صخر، وقريباً من الأردنيين جميعاً دون تمييز. كان يرى في الأردن بيتاً كبيراً يجمع أبناءه، وفي العشيرة قيمة أخلاقية واجتماعية تحفظ الكرامة وتصون المجتمع.
ولا أنسى موقفاً منه حدث معي شخصياً, سيبقى محفوراً في الذاكرة ما حييت؛ حين زارني في منزلي بعد خروجي من السجن السياسي عام 2008، في وقت كانت فيه الظروف في منتهى الحساسية، وكان كثيرون يبتعدون عني لخوفهم من العواقب لأسباب سياسية. لكنه جاء كما عرفته دائماً، وزارني في بيتي بوادي السير , كان رجلاً لا يبدل مواقفه، ولا يتخلى عن أصحابه في أوقات الشدة. وقد حفظت له ذلك الموقف النبيل، كما حفظته لأبنائه وأحفاده من بعده، لأنه موقف لا يصدر إلا عن الرجال الذين ورثوا الكرامة وتشبعوها , وتربوا على الوفاء والشهامة.
أما أبناؤه الكرام فهم النشامى: فواز، والنائب السابق محمد عناد الفايز محمد، وبندر، وطراد، وبدراً، وهيثم، وبناته النشميات الكريمات: مها، والعنود، وهنا، وجلوة، وغادة، ونورة، وريم، الذين حملوا إرث الأسرة وقيمها الأصيلة، وساروا على نهج والدهم في الكرم والكرامة والوفاء وحسن السيرة , فلهم مني العزاء.
فهم امتداد طبيعي لهذا الإرث الكريم؛ نشامى ونشميات ورثوا عز العائلة والأب والجد والاسرة والقبيلة , بكل جدارة وحملوه بتواضع القادر وليس بتكبر العاجز، وشبعوا كرامة وأنفة تتفوق اضعافا مضاعفة على من رهن نفسه لاستجدائها من الاخرين.
لم يحتاجوا يوماً إلى استجداء الشرعية من أحد، لأن شرعيتهم متجذرة في تاريخ الأسرة والقبيلة وسيرتها ومكانتها بين الناس، وحملها ابوهم بكل امانة وقوة ورجولة فاسلمهم أيها معززة ومتفوقة , وهي شرعية الاحترام التي تُكتسب بطيب الأصل والفرع وبالفعل والموقف والانجاز , لا بالمِنَح والأوراق والمكارم والاعطيات.
فالشيخ عناد لم يأخذ مكانته من قرارٍ مكتوب، ولا من ورقة موقعة من هنا أو من هناك، وهو ليس شجرة اجتثت من فوق الأرض مالها من قرار بل شجرة متجذرة في ارض الأردن , يتعذر كما تعذر على اية قوة طارئة ان تقتلعها , وقد حمل الشيخة الموروثة بالعز، وبالطعن بالسيف حين كانت تدعو الحاجة، وبإكرام الضيف حيث كان يأتي صاحب الحاجة، وبالشوكة التي تحفظ الحقوق وتصون الكرامات. إنها الشيخة التي تصنع التاريخ وتقرها الناس عن طيب خاطر، لا تلك التي تمنحها المكاتب وتغيرها الظروف. كان يؤمن ان العشب الذي لا شوك له تدوسه الاقدام الحافية
نشأ في بيت من بيوت الزعامة المعروفة في الأردن، بيت آل السطام / الفايز الذي ارتبط اسمه بتاريخ قبيلة بني صخر وتاريخ الدولة الأردنية ، فحمل إرث الآباء والأجداد، وأضاف إليه من شخصيته ما جعل له مكانة خاصة في قلوب الناس واحترامهم. ولم تكن مكانته نابعة من لقب أو نسب فحسب، بل أيضا من حضوره الإنساني، وسعيه الدائم إلى الإصلاح، وحرصه على وحدة الأردنيين وتماسك مجتمعهم.
كان الشيخ عناد ينتمي إلى ذلك الجيل الذي كان يرى أن قيمة الانسان وبخاصة الرجال فيما يعطي لا فيما يأخذ، وفيما يحفظ من عهود لا فيما يجمع من مكاسب. لذلك بقي بيته مفتوحاً، ومجلسه عامراً، ويده ممدودة لكل محتاج. لم يكن يقيس الرجال بما يملكون، بل بما يحملون من مروءة ووفاء. وكان يؤمن أن الكرامة لا تُشترى، وأن الهيبة لا تُمنح بقرار، وأن الزعامة الحقيقية لا تصنعها السلطة ولا الوقوف امام الأبواب ولا انتظار الرضى من هنا وهناك بل تصنعها سيرة الكرامة.
ولهذا أحبه الناس واحترموه، لأنهم رأوا فيه صورة الشيخ الأردني البدوي الأصيل الذي بقي وفياً لمعاني الشيخة الأردنية القديمة بنبلها وعظمتها؛ شيخاً يحمل إرث الآباء والأجداد في أخلاقه قبل اسمه، وفي أفعاله قبل لقبه..
واليوم، إذ يترجل هذا الفارس عن صهوة الحياة، فإن ما يبقى ليس فقط سيرته الشخصية، بل ذلك الأثر الطيب الذي تركه في الناس، وتلك القيم التي جسدها في سلوكه وعلاقاته ومواقفه. فالرجال الكبار لا يقاسون بطول أعمارهم، بل بما يتركونه من ذكر حسن وإرث معنوي يمتد في حياة الآخرين.
رحم الله الشيخ عناد محمد الفايز رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أبناءه وأهله وعشيرته ومحبيه جميل الصبر وحسن العزاء. وسيبقى اسمه حاضراً في ذاكرة المكان الأردني والانسان الأردني وقبيلة بني صخر العزية أبناء العم الكرام، بوصفه واحداً من الرجال الذين حملوا السيف صلباً، وحملوا الكلمة أمينة، وعاشوا كباراً ورحلوا كباراً، تاركين وراءهم تاريخاً من الوفاء والكرامة والنبل.
وارجو ان يقبل أولاده وبناته مني حسن الثناء وصدق العزاء نيابة عن نفسي وعن اولادي د البشر والطبيب د نمي , ضارعين الى الله سبحانه ان يتغمده برحمته ويسكنه فسيح جنانه وإنا لله وإنا إليه راجعون.
ملحوظة للتوثيق انتقل الشيخ عناد الفايز الى الرفيق الأعلى صباح اليوم الثلاثاء الموافق 23/6/2026 وسيشيح جثمانه الطاهر الى مقبرة العائلة في القسطل جنوب عمان.