اليوم، أقف على أعتاب الجامعة في آخر يوم فيها، تمامًا كما كنتُ قبل خمسة أعوام، أقف وحيدًا، خائفًا، لكنني كلي أمل وشغف، أتذكر كيف كنتُ أمشي في ساحاتها بترقب وحذر، أتأمل تفاصيلها الصغيرة والكبيرة، وأحفظ ملامحها بعينيّ وكأنها بوابتي عبوري إلى العالم، كنتُ أمشط ممراتها ذهابًا وإيابًا ببراءة مطلقة، حاملًا في قلبي أحلام الثانوية، ومشاعر المراهقة واندفاعها الجميل، يومها كنتُ أراقب مرور الأيام الثقيل، وأشعر أن نهاية هذه الرحلة الجامعية أمرٌ بعيد المنال، كأسراب طيور تحلق في أقاصي السماء،
واليوم، انقضت تلك الأيام، أخذت مني ما أخذت، وأعطتني ما أعطت، أعطتني الكثير الذي لم أدرك قيمته إلا الآن وأنا على مشارف توديعها، أودع كل جميل فيها، وفي هذه اللحظة، لا أرى منها سوى الجميل.
أجد الأمر صعباً عليّ، فاليوم هو نهاية مرحلة، وغداً بداية مرحلة جديدة تماماً، مرحلة المسؤولية والاعتماد على الذات، وتكوين حياة مستقلة تسير بجهد وتعب من نوع آخر.
ها أنا مجدداً على أعتاب الجامعة، لكنني الآن أنظر إلى الساحة كما لم أنظر إليها من قبل، أمشي فيها على مهل، أسترق خطاي لأني أعلم أنني بعد الآن سآتي إليها كالغريب! أودع فيها كل شيء، وسأشتاق إليها حقاً.
واليوم، وأنا على مشارف الوداع، أدرك أن أجمل ما منحَتْنيه الجامعة لم يكن الشهادة التي أحملها، بل الإنسان الذي سأغادرها به، فلم تكن الجامعة مكانا للدراسة فقط بل مدرسة للحياة
لقد علّمتني الجامعة أن الحياة لا تمضي على وتيرةٍ واحدة، فيها الفوز كما فيها الخسارة، وفيها الوصول كما فيها التعثر، وعلّمتني أن النضج ليس ألّا نخسر، بل أن نتعلّم كيف نخسر دون أن ننكسر، أن نودّع أحلامًا، ونفارق أشخاصًا، ونغادر محطات، بل ونترك خلفنا نسخًا قديمةً من أنفسنا؛ لنفسح المجال لإنسانٍ أكثر وعيًا، وأرحب صدرًا، وأشدّ صبرًا، وأقوى عزيمة، ومع ذلك تبقى هناك خسارات لا يعتادها القلب أبدًا،لأنها لا ترتبط بالأشياء، بل بالذكريات، وبالأماكن، وبالوجوه التي مرّت من حياتنا وتركت فيها أثرًا لا يزول.
ومن أعظم ما خرجت به من هذه السنوات أن الصحبة رزقٌ لا يُقدَّر بثمن، فقد عرفت في الجامعة أشخاصًا لا يُعوَّضون، شاركوني التعب قبل النجاح، والقلق قبل الاطمئنان، وتركوا في الأيام خفةً لا تُنسى، ومعهم أدركت أن أجمل ما تكسبه الجامعة ليس ما يُكتب في الشهادة، بل من يبقى معك أثره بعد انتهاء الرحلة، كما تعلمت أن ليس كل من يمر في حياتنا يبقى فيها، فبعضهم عابرون كظلٍّ خفيف، وبعضهم يتركون بصمة لا تمحوها السنوات، وأن قيمة العلاقات الحقيقية لا تُفهم إلا عند لحظة الوداع
علمتني الجامعة أن النضج لا يأتي مع العمر، بل مع التجارب، وأن الإنسان لا يبقى كما بدأ، فكل موقفٍ، وكل إخفاقٍ، وكل نجاحٍ يضيف إلى شخصيته شيئًا جديدًا، ويعيد تشكيل نظرته للحياة ولذاته ولمن حوله،فالجامعة لم تكن مرحلة تعليمية فقط، بل كانت مرآةً عكست لي من أكون، ومن أستطيع أن أكون، خرجت منها لا بنفس الشخص الذي دخل، بل بشخصٍ أكثر وعيًا، أقل اندفاعًا، وأكثر إدراكًا لحدود نفسه وقدراته، وأدركت أن التغيير الحقيقي لا يُقاس بيومٍ أو لحظة، بل يُفهم فقط عندما نقف ونقارن بهدوء بين من كنا عليه ومن أصبحنا عليه حقًا.
وتعلمت أن العلم يرفع صاحبه، لكن الأخلاق هي التي تُبقي أثره، وأن العلامات تُطوى بانتهاء الفصل، أما حسن الخلق، وصدق الكلمة، وجمال الموقف، فهي التي تبقى محفوظة في قلوب الناس لا في سجلات الجامعة، كما أدركت أن قيمة الإنسان لا تكون فيما ينجزه لنفسه فقط، بل فيما يقدمه لغيره، وأن أجمل ما في الطريق أن يسعى المرء ليُفيد من حوله، مع ثباته على مبادئه وأخلاقه، وسعيه الدائم لأن يكون أفضل مما كان عليه بالأمس
إن كان لي أمنيةٌ واحدة وأنا أغادر، فهي ألا أكون قد مررت مرورًا عابرًا، أتمنى أن أكون قد تركت في هذا المكان أثرًا طيبًا، وكلمةً صادقة، وذكرى حسنة، وأن يذكرني من عرفني بخير، فذلك هو الإرث الحقيقي للإنسان
واليوم، وأنا أودع هذه المرحلة، أشعر أنني لا أودع القاعات ولا المقاعد، بل أودع جزءًا من عمري، أودع الطريق الذي سلكته مئات المرات، في الصباح الباكر، وفي المساء المتأخر، في أيام المطر، وفي شمس الصيف، حتى صار يعرفني كما أعرفه.
وغدًا تبدأ مرحلة جديدة، مرحلة المسؤولية، والاعتماد على النفس، والعمل، وخدمة الناس بما تعلمناه، مرحلة يختبر فيها الإنسان قيمة كل درس تعلمه داخل أسوار الجامعة
خرجت منك أحمل شهادةً في الصيدلة، لكنني قبل ذلك خرجت بنسخةٍ أنضج من نفسي، وأكثر إيمانًا بأن العلم لا ينتهي بالتخرج، وأن أجمل ما منحته لي هذه السنوات الخمس لم يكن ما تعلمته في الكتب، بل الإنسان الذي أصبحت عليه
فالحمد لله على نعمه التي لا تعد ولا تحصى وكل الشكر لوالدي واهلي ودكاترتي وزملائي واصدقائي واحبائي وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين