يقدم تحليل، نشره موقع "ميدل إيست مونيتور” البريطاني، رؤية لاستراتيجية المبعوث الأميركي إلى العراق توم برّاك، ويقول إنه لن يكتفي بالضغط على النفوذ الإيراني، المعتمد على الدولارات الأميركية، عبر السياسة والقوة العسكرية بل سيركز على الأموال، من خلال الضغط والرقابة على النظام المصرفي العراقي، مستثمراً التحكم بعائدات النفط المودعة في بنك الاحتياطي الفيدرالي بنيويورك.
ويظهر التحليل أن هذه الاستراتيجية التي تفرض عقوبات صارمة على ممرات الأموال البديلة، تهدف إلى قطع الشريان المالي للفصــائــل المسلحــة وشبكات الحـرس الثــوري الإيراني في العراق، سيما وأن برّاك رجل أعمال وأن الدولار هو القوة في بغداد.
تحليل "ميدل إيست مونيتور”،
"عندما أعلن الرئيس دونالد ترامب في 31 مايو/ أيار أن توم باراك سيتولى في آن واحد منصب سفير الولايات المتحدة في أنقرة، والمبعوث الرئاسي الخاص إلى سوريا، والآن المبعوث الرئاسي الخاص إلى العراق، استقبلت الأوساط الدبلوماسية في بغداد الخبر باهتمامٍ طفيف، كما هو الحال مع أي تغيير روتيني، لكنهم كانوا مخطئين، لم يصل باراك إلى العاصمة العراقية ومعه ملف تعريف ومصافحة، بل وصل ومعه مفتاح خزنة – وهذه الخزنة هي التي تحمل أكسجين بغداد.
منذ عام 2003، تُودع عائدات العراق من المحروقات في حساب مخصص لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك. وعندما تحتاج بغداد إلى عملة صعبة، تُرتّب وزارة الخزانة الأمريكية نقل أوراق نقدية من الدولار – تصل أحيانًا إلى 13 مليار دولار في عام واحد – جوًا على متن طائرات شحن من نيوجيرسي إلى البنك المركزي العراقي. هذا الترتيب نابع من ضرورة ما بعد الغزو، وكان يهدف إلى حماية الحكومة العراقية الجديدة من دائني عهد صدام ومطالبات التعويضات. لكنه تحوّل منذ ذلك الحين إلى شيء آخر تمامًا: أصبح بمثابة مفتاح التحكم الرئيسي في الاقتصاد السياسي العراقي، يُدار من مانهاتن السفلى.
في أبريل/نيسان، أظهرت إدارة ترامب بهدوء مدى سيطرة الحكومة الأمريكية المطلقة. فقد منعت وزارة الخزانة الأمريكية شحن ما يقارب 500 مليون دولار أمريكي- عائدات مبيعات النفط العراقي – عبر طائرة شحن، وعلّقت في الوقت نفسه برامج التعاون الأمني مع الجيش العراقي. وقدّم مسؤول كردي رفيع المستوى، في حديثه لقناة فوكس نيوز، أكثر تقييم صريح سُمع منذ أشهر: "تجميد الدولار هو الخيار النووي في ترسانة وزارة الخزانة، ولطالما كان الأمريكيون مترددين في استخدامه”. ويُشير تعيين باراك إلى انتهاء هذا التردد.
لفهم التحديات التي تواجه باراك، لا بد من فهم بنية الموقف الإيراني في العراق، فهو ليس احتلالاً أجنبياً بالمعنى التقليدي، بل هو عمل داخلي. قوات الحـ،ـشــد الشــعــبي، التي تضم نحو 238 ألف مقاتـ،ـل وتتلقى تمويلاً حكومياً سنوياً قدره 3.6 مليار دولار، أُدرجت في القانون العراقي عام 2016 بموجب القانون رقم 40. وكانت أقوى مكوناتها – كـ،ـتائــب حــزب الله، وعصــائــب أهــل الــحــق، وحــركة حــزب الله النــجــباء – أذرعاً لفيلـق القــدس التابع للـحـرس الثــوري الإيراني قبل وقت طويل من دمجها في ميزانية الدولة العراقية. وفي حسابات طهران الاستراتيجية، يُعدّ الحــشــد الشــعــبي نموذجاً لــحــزب الله، مُطبّقاً على ميزانية الدولة.
إنّ مسار الأموال، الذي وثّقته مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات بدقة متناهية، يُدينها بشدة: فقد كان بنك الرافدين المملوك للدولة، وهو موزّع لعائدات النفط المودعة لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، يصرف رواتب مُحوّلة بالدولار مباشرةً لمقاتلي ميليشــيــات الحشــد الشــعــبي حتى منتصف عام 2025. وعندما أجبرت ضغوط وزارة الخزانة الأمريكية بنك الرافدين على التوقف عن صرف هذه الرواتب، لجأ الحــشــد الشــعــبي ببساطة إلى تحويل آلية صرف الرواتب إلى بنك النهرين الإسلامي، وهو بنك حكومي أصغر، ما أدّى إلى نقل المشكلة بدلاً من حلّها. والأسوأ من ذلك، أن عقوبات وزارة الخزانة المتعددة بين عامي 2024 و2026 تتبّعت تحويل عائدات مزادات الدولار العراقي عبر واجهات مرتبطة بممولي الحـرس الثــوري الإيراني وشبكات تُزوّد إيران بمكونات طائرات شاهد المسيّرة والصــواريخ الباليستية الإيرانية. وهكذا، تُقدّم واشنطن، بالمعنى الحرفي للكلمة، الدعم المالي لخصومها.
في طهران، أدرك قادة الـحـرس الــثــوري الإيراني تمامًا ما هو على المحك، فبحسب تقريرٍ لـ”كريتيكال ثريتس”، أطلع مسؤولون كبار في الحــرس الثــوري الرئيس مسعود بزشكيان على أن الضغط العسكري الأمريكي والإســرائــيلي على إيران قد وحّد، على نحوٍ متناقض، الشعب خلف النظام، مُصوِّرًا المواجهة برمتها، بما فيها العراق، على أنها صراع حضاري لا خلاف سياسي. ويخدم هذا التصوير غرضًا محددًا: فهو يرفع التكلفة النفسية للامتثال بالنسبة لفصـائــل الحــشــد الشــعبي، إذ يُمكن إعادة صياغته على أنه خيانة أيديولوجية. وبهذا المعنى، فإن ســلاح الحــرس الثــوري الأكثر فعالية في العراق ليس طائرةً مُسيَّرة، بل هو سردية.
باراك ليس دبلوماسياً محترفاً، وهذا هو بيت القصيد على الأرجح. إنه رجل أعمال في مجال الاستثمار الخاص، وصف العراق، في لحظة عفوية، بأنه "تجربة سياسية فاشلة”، ولبنان بأنه "مهزلة”. وإذا ما ترجمنا ذلك إلى سياسة، فلن تكون هذه إهانات، بل تشخيصات: لم تعد واشنطن تنظر إلى العراق كشريك سياسي في المفاوضات يُستمال، بل كملف أمني مختل يحتاج إلى إعادة هيكلة. وأداته المفضلة هي التي يتقنها تماماً – النفوذ. وهذا النفوذ هائل. فعائدات تصدير النفط تموّل ما يُقدّر بنحو 90%من ميزانية الحكومة العراقية. إن نقص الدولار لفترة طويلة لن يُسبب مجرد إزعاج لوزارات بغداد، بل سيُشعل فتيل التضخم، ويُزعزع استقرار الدينار العراقي، ويُفرغ رواتب موظفي الدولة التي تُبقي قوات الحـ،ـشــد الشــعـبي موالية اسمياً لبغداد بدلاً من ولائها الحصري لطهران.
ثمة مؤشرات مبكرة على أن هذه الاستراتيجية تُلحق خسائر فادحة، أو على الأقل تُمثل تراجعًا استراتيجيًا. ففي أواخر مايو وأوائل يونيو 2026، حلّ مقتدى الصدر ميليشــيا سرايا السلام، وأعلنت عصـ_ـائـب أهــل الحـ_ـق وكتــائــب الإمام علي تسليم أسلحتهـ،ـما إلى سيطرة الدولة. وكان رد باراك على الخطوة مدروسًا بعناية، إذ هنأ رئيس الوزراء العراقي علي الفالح الزيدي، لكنه اشترط عليه شروطًا. فقد صرّح لرئيس الوزراء العراقي علي الفالح الزيدي بأن هذه الخطوة تُمثل "الأساس الناشئ لحكم ذاتي عراقي مُتجدد”، ثم أضاف مُلاحظة مُبهمة: "ثقة رئيس الوزراء الزيدي في محلها، فهذه ليست سوى البداية”. وكان المعنى الضمني واضحًا لا لبس فيه: فالسيطرة على الدولار لا تزال بيد الولايات المتحدة.
لكنّ الحالات الأكثر تشدداً لا تزال على موقفها. فقد رفضت كــتــائب حـــزب الله وحـركــة حــزب الله النــجــباء وهما التشكيلان الأكثر خضوعاً لقيادة الــحــرس الــثـوري الإيراني على نزع سـلاحهما. وحذّر منتدى الشرق الأوسط من أن ما يبدو أنه إعادة هيكلة للميليــشــيات قد يكون في الواقع مجرد تكييف إيراني: امتثال سطحي من فصــائــل يمكن السيطرة عليها، والحفاظ على شبكة القيادة والسيطرة الأساسية. وفي 17 أبريل/نيسان، أدرجت وزارة الخزانة الأمريكية سبعة قادة كبار في أربع جماعات مدعومة من إيران على قوائم العقوبات لشنّ هجمات على أفراد أمريكيين في إشارة إلى أن الضغط المالي والعسكري سيُمارس بالتوازي. ونفّذت الولايات المتحدة 138 غارة جوية داخل العراق في أبريل/نيسان وحده، ما أسفر عن مقتل 73 عنصراً من قوات الــحشــد الشـعـبي.
يدخل توم باراك العراق حاملاً ثلاث حقائب وزارية – أنقرة، دمشق، بغداد – وفرضية واحدة شاملة: أن بنية النفوذ الإيراني في العراق تعتمد على الدولارات الأمريكية، وأن هذه البنية قابلة للتفكيك بنفس الطريقة التي بُنيت بها، من خلال النظام المصرفي. استغرق لبنان عقوداً وانهياراً مالياً كارثياً قبل أن يُظهر نموذج حــزب الله حدوده. أما العراق، الذي تُرهن عائدات نفطه برقم حساب في نيويورك، فقد يواجه جدولاً زمنياً مضغوطاً. ذلك الرجل الذي ادعى ذات مرة أنه كان "يُهدئ الأوضاع ويُعيد المنطق” إلى مفاوضات نفط كردستان، باتت له مهمة مختلفة الآن. فهو يملك زمام الأمور. وفي بغداد، المال هو القوة".