البرماوي يكتب الأردن في ميزان الحقائق: سيرة ومسيرة المدن (٣) السلط.. حاضرة البلقاء وعمق التاريخ والامتداد الجيوسياسي والعسكري لإمارة شرق الأردن وفلسطين.
حين نكتب عن السلط فإننا لا نكتب عن مدينة عابرة في جغرافيا المشرق العربي بل نقرأ في كتاب أم الحواضر الأردنية المدينة التي قادت المشهد الإداري والتعليمي والتجاري عبر قرون وشكّلت بعبقرية مكانها وعمق إنسانها النواة التأسيسية الصلبة للدولة الأردنية الحديثة وفي هذه القراءة التوثيقية نفكك المكونات البنيوية والاقتصادية والتاريخية والعسكرية للحاضرة السلطية بلغة الحقائق والأرقام والمعطيات الجيوسياسية غير المستهلكة
تقع السلط كمركز لمحافظة البلقاء وتتوزع جغرافياً على مجموعة من الجبال الشهيرة كالجدعة والخضر والقلعة والسلالم ويتجاوز عدد سكان بلدية السلط الكبرى اليوم حاجز الـ 160000 نسمة يمثلون نسيجاً اجتماعياً عريقاً يتميز بأعلى مستويات التعليم والاتزان المجتمعي وتمتد السلط على مساحات زراعية خصبة تشمل وادي شعيب والبلقاء وتشتهر تاريخياً وحاضراً بإنتاج العنب السلطي الأصيل والتين والزيتون بالإضافة إلى الخضراوات المروية مما جعلها تاريخياً سلة غذاء رئيسية للمنطقة
تمتلك السلط إرثاً روحياً وتاريخياً يضعها في قلب خطوط الدفاع والرباط الإسلامي وتضم المنطقة أضرحة ومقامات تاريخية هامة أبرزها مقام النبي يوشع بن نون شمال غرب المدينة المشرف على غور الأردن ومقام النبي شعيب في وادي شعيب والذي يعد مقصداً للسياحة الدينية ونقطة ربط روحي وتاريخي وفي شعاب البلقاء ومحيطها تتقاطع دروب الفتوحات الإسلامية حيث رقد عدد من الصحابة والشهداء في معارك فتح الشام واليرموك ومؤتة
ولا تنبع خصوصية السلط من تلالها فحسب بل من الشواهد الأثرية والخرب التي تختزل تعاقب الحضارات فوق قمم البلقاء مثل قلعة السلط التاريخية التي تربض على قمة جبل القلعة وتعود بجذورها إلى العهود الأيوبية والمملوكية حيث أعاد بناءها السلطان الملك المعظم عيسى بن أحمد عام 1220 ميلادي لتكون حصناً عسكرياً ومستودعاً استراتيجياً للتموين والذخيرة يشرف على طرق التجارة والفتوحات وتتمثل الخرب الأثرية والمستوطنات القديمة في خربة السوق وخربة حزير وجادور التي ترتبط تاريخياً بمدينة جادارا القديمة وتحتوي هذه المواقع على بقايا معاصر عنب رومانية وقنوات ري بيزنطية ومقابر محفورة في الصخر تؤكد أن السلط كانت مركزاً زراعياً وصناعياً حيوياً منذ العصر البرونزي وحتى العصر الإسلامي
تعد السلط البوابة الغربية التاريخية للأردن والرئة التي تنفست منها العلاقة الاستراتيجية والاجتماعية مع فلسطين وتحديداً مع مدينة نابلس حيث شكّلت السلط ونابلس محوراً اقتصادياً واحداً في أواخر القرن الـ 19 وأوائل القرن الـ 20 فكانت البضائع والمنسوجات وزيت الزيتون والصابون النابلسي تتدفق عبر نهر الأردن إلى أسواق السلط ومنها إلى أنحاء الإمارة والحجاز وانتقلت عائلات نابلسية وتجارية كبرى للاستقرار في السلط وساهمت في بناء نهضتها العمرانية والتجارية وامتزجت العائلات السلطية والنابلسية في شبكة مصاهرة متينة جعلت من المدينتين امتداداً عائلياً وثقافياً واحداً يعكس الموقف الأردني الثابت والتلاحم المصيري مع القضية الفلسطينية والضفة الغربية
وعقب انهيار الحكم العثماني دخل الأردن عهد الانتداب البريطاني فترة الحكم الإنجليزي غير المباشر وهنا برزت السلط كمركز ثقل سياسي وإداري ومؤسسي متقدم وقبل وصول الأمير عبد الله الأول وتأسيس الإمارة أعلن السلطيون حكومة محلية لإدارة شؤونهم وتنظيم مجتمعهم عام 1920 مما عكس وعياً سياسياً وتنظيمياً مبكراً وتُشكل سرايا السلط التاريخية المعروفة بدار الحكومة التي بُنيت في أواخر القرن الـ 19 نحو عام 1892 ميلادي إبان العهد العثماني في قلب المدينة بساحة العين القطب الإداري الأهم في تاريخ شرق الأردن وجسدت الانتقال التكتيكي للمدينة من نمط الدفاع والقلعة إلى نمط المؤسسية والدولة وشُيدت بحجر السلط الأصفر وجمعت بين الفخامة العثمانية واللمسات المحلية الشامية بأروقتها وأقواسها البرميلية وضمت مكاتب القضاء والجباية والأمن وفيها أُديرت شؤون البلقاء الممتدة واستُقبل المعتمدون الدوليون وقد زار المعتمد البريطاني والجنرالات الإنجليز السلط مراراً كونها المدينة الأكبر والأكثر تنظيماً ورغم أن بريطانيا كانت تدفع باتجاه جعل السلط العاصمة الرسمية للإمارة نظراً لتوفر البنية التحتية ومبنى السرايا والمباني الحكومية فيها إلا أن الحسابات الجيوسياسية وتمدد خط السكة الحديدية حوّل العاصمة لاحقاً إلى عمّان وظلت السلط محتفظة بلقبها الأثير كعاصمة فكرية وتأسيسية
حظيت السلط بمكانة رفيعة في وجدان ملوك بني هاشم وشكّلت ركيزة في خططهم التنموية والسيادية حيث زار الملك المؤسس عبد الله الأول طيب الله ثراه المدينة فور تشريف الركاب الهاشمية للأرض الأردنية ورعى رجالاتها وافتتح مبنى مدرسة السلط الثانوية عام 1926 واضعاً حجر الأساس للنهضة التعليمية في الإمارة وحظيت السلط في عهد الملك الباني الحسين بن طلال طيب الله ثراه برعاية استثنائية فكان يزورها متفقداً ودعم تطوير بنيتها التحتية ومؤسساتها وفي عهده الميمون أُطلقت النواة التأسيسية لجامعة البلقاء التطبيقية عام 1997 لتدخل السلط عهداً جديداً من مأسسة التعليم العالي والتقني واستمر الاهتمام الملكي السامي في عهد الملك المعزز عبد الله الثاني ابن الحسين بوسط السلط التاريخي والحفاظ على هويتها المعمارية الفريدة وتوجت هذه التوجيهات الملكية السامية بجهود وطنية قادت إلى إدراج السلط على قائمة التراث العالمي اليونسكو عام 2021 لتصبح نموذجاً عالمياً معترفاً به للتسامح والضيافة الحضرية
وبسبب موقعها الاستراتيجي المشرف تحولت السلط إلى مسرح عمليات عسكري وعقدة اتصالات تكتيكية حاسمة في النزاعات الدولية الكبرى فكانت في الحرب العالمية الأولى مسرحاً لمعارك السلط الأولى والثانية في نيسان وأيار عام 1918 بين الجيش العثماني الرابع بمساندة حلفائه الألمان وقوات الحلفاء بقيادة الجنرال اللنبي وفي منطقة التل بوادي شعيب يربض صرح الشهداء الأتراك الذي يضم رفات أكثر من 300 جندي وضابط تركي استشهدوا في تلك المعارك الضارية دفاعاً عن جبهتهم وخلال الحرب العالمية الثانية استعادت مرتفعات السلط أهميتها اللوجستية لدى الجيش العربي وقوات الحلفاء فمع تصاعد خطورة تمدد قوى المحور المتمثلة في ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية واليابان نحو الشرق الأوسط عبر جبهات شمال إفريقيا وسوريا الخاضعة لحكومة فيشي آنذاك استُخدمت جبال السلط كمركز متقدم للمراقبة الجوية ونقطة ارتكاز إمداد وتحصين عسكري لحماية العمق الأردني وتأمين المحاور المؤدية إلى فلسطين
ترتفع جبال السلط أكثر من 1100 متر فوق سطح البحر وتمنح خط نظر مكشوف ومباشر يشرف على كامل غور الأردن والضفة الغربية وجبال القدس ونابلس ومشارف بيسان وهذا الموقع هو في علم العسكرية موقع حاكم يمنح القوات الدفاعية الأردنية تفوقاً تكتيكياً كاشفاً للميدان وسيطرة نارية واستخبارية كاملة على مسارح العمليات الغربية وخلال معركة الكرامة الخالدة عام 1968 لعبت المرتفعات الخلفية لمدينة السلط ووادي شعيب دور الشريان الحيوي والغطاء المدفعي الاستراتيجي لجيشنا العربي الباسل فمن فوق هذه القمم أدارت القيادة العسكرية محاور الإسناد ومنح الانحدار الجغرافي مدفعيتنا قوة دفع ودقة متناهية لشل حركة آليات العدو في الغور وتدمير خطوطه
لم تكن السلط يوماً مجرد تجمع سكاني عشوائي بل حكمت بمنظومة اجتماعية وسياسية بالغة التعقيد والتنظيم تُعرف بالرايات أو الأحلاف العشائرية والتي شكلت صمام الأمان والسلم الأهلي في البلقاء حيث انقسمت العشائر السلطية تاريخياً من مسلمين ومسيحيين إلى تكتلات عشائرية كبرى مثل حلف الأكراد وحلف الحارة وهي تحافات لم تقم على عصبية الدم بقدر ما قامت على قيم الجوار والحماية المشتركة وإغاثة الملهوف وتنظيم الحقوق العشائرية والقضائية ولعبت مضافات وعقود عائلات السلط العريقة دور البرلمانات المصغرة المدنية ففيها كانت تُعقد صكوك الصلح وتُدار العلاقات مع القبائل البدوية المحيطة بالبلقاء مثل قبيلتي عباد والعدوان وفيها صِيغت أولى وثائق الولاء والتأييد لرجالات الثورة العربية الكبرى وتأسيس الإمارة مما جعل العشائرية السلطية نموذجاً للمؤسسية المبكرة
ويظهر تفرُّد السلط بوضوح في أسواقها وعمرانها التاريخي حيث شُيد وسط المدينة بأحجار جيرية صفراء وبتصاميم هندسية صاغها معماريون مهرة منهم عائلات من نابلس مثل آل طوقان وآل النمر تميزت بالأسقف المقوسة والنوافذ الكبيرة المتناغمة مع انحدار الجبال وتحتضن المدينة أسواقاً تاريخية لا تزال حية حتى اليوم مثل سوق الإسكافي وسوق الحمام الذي يعود تاريخه لأواخر العشرينيات وساحة العين التي مثلت عبر العقود مركز الحراك الاجتماعي والسياسي والتجاري للمدينة وملتقى رجالاتها بجوار مبنى السرايا القديم
تميزت السلط بحياة ثقافية زاخرة صاغت الوجدان الأردني مبكراً ولم تكن الثقافة فيها ترفاً بل جزءاً من الهوية اليومية وشهدت السلط ولادة أولى المنتديات والجمعيات الثقافية والأدبية في الإمارة وكان لرجالاتها إسهام بارز في الصحافة والكتابة الإبداعية والسياسية وجامعة البلقاء التطبيقية وجامعة عمان الأهلية واصلا هذا الإرث ليحولا السلط إلى منارة جذب أكاديمي وثقافي يؤمها الباحثون والمبدعون وتُقام في مضافاتها ومنتدياتها الأمسيات الفكرية والشعرية التي تمزج بين الأصالة التراثية والتحديث المعرفي وإن الفضيلة الكبرى للحياة الثقافية السلطية هي تقديم نموذج التسامح المعاش حيث يتقاسم أبناء المدينة من المسلمين والمسيحيين الإرث والمضافات والمناسبات والرايات في عقد اجتماعي متين يعكس وعياً شعبياً فطرياً يرفض الفرقة ويؤمن بأن قوة المجتمع تكمن في تلاحمه وصون نسيجه الواحد
ولم تغب السلط عن مخيلة كبار الشعراء والأدباء بل كانت ملهمة دائمية للقصائد التي تغنت بشموخ جبالها وعراقة نسيجها وأهلها حيث يبرز في هذا المقام صوت الشاعر الكبير عرار مصطفى وهبي التل شاعر الأردن باثاً حنينه الجارف للمدينة ومجالسها الثقافية والأخوية العريقة
سقى المورد العذب الفرات وساكني بقاع السلط من هطلائه المتدفقِ
منازل أصحابي وحيٌّ أحبهم وإخوان صدقٍ في الزمان الممزَّقِ
وفي العصر الحديث تجلى عشق المدينة في أدبيات وقصائد شاعر الثورة الفلسطينية محمود درويش الذي التقط بعينه الشاعرية الامتداد الجغرافي والروحي والوجداني والتجاري الممتد بين السلط وفلسطين واصفاً إياها برئة القدس ونابلس التوأم وجاعلاً من جبال البلقاء حاضرة الوجدان الممتد عبر النهر
كما تغنى بجمالها الجغرافي والإنساني الشاعر الأردني الكبير حيدر محمود مبرزاً شموخ كبرياء الحاضرة السلطية الحية عبر العصور والتي تقف كمنارة عز وتاريخ يتحدى النسيان
على الجدعة السمراء تلتقي الدُّنى ويبتسم التاريخ للسَّلطِ إذ تبدو
فما سطَّر الماضي كتاب تفاخرٍ إلا وكان لأهلها فيه مَسْردُ.
يتجلى المشهد الاقتصادي للسلط كنموذج استثنائي للاعتماد المتبادل بين الإنتاج الزراعي والمركزية التجارية الجاذبة فمنذ أواخر العهد العثماني لم تكن المدينة مجرد مستهلك للبضائع بل تحولت إلى مركز لإعادة التصدير والتبادل التجاري الإقليمي بفضل موقعها الذي يربط جبال شرق الأردن بغور فلسطين والقدس ونابلس واعتمد هذا اقتصاد تاريخياً على ركائز إنتاجية صلبة بدأت من قطاع الزراعة الغني في وادي شعيب وحوض البلقاء حيث شكّل إنتاج الزبيب والسمن البلقاوي والدواب والقمح عصب الثروة المحلية وجذبت هذه الوفرة الإنتاجية بيوت تجارية كبرى من الشام ونابلس أسست شبكة مالية متطورة في أسواق السلط القديمة اعتمدت على نظام الائتمان والقروض لتمويل القوافل والتجارة البينية ومع تطور الدولة الحديثة انتقل اقتصاد السلط من النمط التجاري والزراعي التقليدي إلى مرحلة المأسسة الصناعية والتعليمية والخدمية واليوم تساهم المدينة بشكل حيوي في الناتج المحلي الإجمالي عبر مدينة السلط الصناعية التي تستقطب الاستثمارات في قطاعات الصناعات الدوائية والغذائية والهندسية بالإضافة إلى القيمة الاقتصادية المضافة التي يوفرها قطاع التعليم العالي ممثلاً بجامعة البلقاء التطبيقية والأنشطة الاقتصادية والخدمية المرتبطة بها وتحول وسط المدينة التاريخي المدرج على قائمة التراث العالمي إلى رافد استثماري سياحي يولد فرص العمل ويعيد تسويق الهوية المعمارية للمدينة كمنتج اقتصادي مستدام يربط عراقة الماضي بآفاق التنمية الحديثة.
ليست السلط مجرد فصل في تاريخ الأردن بل هي الكتاب الذي حُفظت فيه ثوابت الدولة وقيمها التأسيسية فبأسواقها العتيقة وسراياها التاريخية وإرثها التعليمي والثقافي والاقتصادي وعلاقتها العضوية بفلسطين ورعاية ملوك بني هاشم لها ومرتفعاتها الحامية لثغور الوطن ومنظومة راياتها العشائرية العريقة تظل الحاضرة السلطية شاهداً حياً على منعة هذا الوطن وعبقرية مكانه ونقاء سريرة أهله.