في زمن أصبحت فيه الصورة أكثر تأثيرًا من الكلمة، وأصبحت الدراما والمنصات الرقمية تدخل كل بيت دون استئذان، لم يعد الإعلام مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل أصبح القوة الأكثر تأثيرًا في تشكيل الوعي، وصناعة القيم، ورسم ملامح الهوية الوطنية. ومن هنا فإن مسؤوليته لم تعد مهنية فحسب، بل أصبحت مسؤولية وطنية وأخلاقية وحضارية.
إن الهوية الوطنية الأردنية ليست شعارًا يُرفع في المناسبات، ولا عبارة تُردد في الخطابات، بل هي تاريخٌ مجيد، وعقيدةٌ راسخة، وانتماءٌ صادق، وإرثٌ عربي وإسلامي أصيل، وقيمٌ اجتماعية توارثها الأردنيون جيلاً بعد جيل، فصاغت شخصية الإنسان الأردني القائمة على الشهامة، والكرامة، والوفاء، واحترام الأسرة، وصون الدين، والانتماء للوطن والقيادة الهاشمية.
ومن هنا فإن الإعلام الوطني مطالب بأن يكون خط الدفاع الأول عن هذه الهوية، لا أن يتحول – بقصد أو بغير قصد – إلى أداة لإضعافها أو تشويهها. فالإعلام الذي يهمل تاريخ الوطن، ويُغيب رموزه، ويستبدل القدوات الحقيقية بمشاهير التفاهة، إعلامٌ يفقد رسالته ويبتعد عن دوره الحقيقي.
أما الدراما والمسلسلات والأعمال الفنية، فهي من أخطر أدوات التأثير في المجتمعات، لأنها تدخل إلى العقول والعواطف معًا. وعندما تُقدَّم أعمال راقية تحترم قيم المجتمع، وتبرز الأخلاق، وتُجسد التضحية والانتماء، فإنها تُسهم في بناء الإنسان وتعزيز الهوية الوطنية. أما عندما تُروَّج أعمال تقوم على الابتذال، أو تمجيد الجريمة، أو الاستهزاء بالدين، أو تفكيك الأسرة، أو تصوير الانحلال الأخلاقي على أنه تحضر وتقدم، فإنها تُشكل خطرًا حقيقيًا على منظومة القيم، وتترك آثارًا عميقة في وعي الأجيال.
إن الأردن يمتلك تاريخًا زاخرًا بالشخصيات الوطنية، والبطولات العسكرية، والإنجازات الحضارية، والتراث البدوي والفلاحي والمدني، والموروث الثقافي والديني، وكلها تستحق أن تتحول إلى أعمال إعلامية ودرامية راقية تُعرّف العالم بالأردن الحقيقي، وتغرس في نفوس الشباب الاعتزاز بوطنهم، بدلاً من استيراد نماذج غريبة لا تمت إلى ثقافتنا بصلة.
ولا يعني ذلك الانغلاق أو رفض الفن، فالفن الهادف رسالة سامية، والإبداع الحقيقي هو الذي يسمو بالإنسان، ويحترم عقيدته، ويحافظ على أخلاقه، ويعزز انتماءه، ويُقدم المتعة دون أن يهدم القيم أو يزعزع الثوابت.
إن الإعلام الذي يخدم الوطن هو الإعلام الذي يحمي الأسرة، ويصون اللغة العربية، ويُعلي من شأن العلم والعمل، ويُبرز النماذج الوطنية المخلصة، ويُرسخ قيم العدالة والولاء والانتماء. أما الإعلام الذي يلهث خلف نسب المشاهدة على حساب الأخلاق، أو يجعل الإثارة غاية، فهو يُسهم في صناعة أزمات فكرية واجتماعية سيدفع المجتمع ثمنها لعقود.
واليوم، نحن بحاجة إلى مشروع إعلامي وطني متكامل، تتعاون فيه الدولة، والمؤسسات الإعلامية، والجامعات، والمثقفون، وصُنّاع الدراما، لإنتاج محتوى يليق بالأردن وتاريخه ومكانته، ويُحصّن أبناءنا من الغزو الثقافي والفكري، ويُرسخ الهوية الوطنية الأصيلة في مواجهة كل محاولات التشويه أو التغريب.
فالأمم لا تُحفظ حدودها بالسلاح وحده، بل تُحفظ كذلك بالفكر، والثقافة، والإعلام المسؤول. وإذا كانت الجيوش تحمي الأرض، فإن الإعلام الوطني الواعي يحمي العقول، ويصون القيم، ويحفظ الهوية، ويصنع أجيالًا تؤمن بأن الأردن وطنٌ عريق، وأن هويته ليست محل مساومة أو عبث، بل أمانة في أعناق الجميع، يجب الدفاع عنها بالكلمة الصادقة، والصورة الهادفة، والعمل المسؤول.