ثمة مسافة صغيرة، لا تقاس بالكيلومترات بل باللحظات، تفصل بين رجل يتحدث بصوت مرتفع ورجل يسقط جثة. هذه المسافة هي كل ما تحتاجه الجريمة لتولد. وقد قطعها الأردن، في أسابيع قليلة، مرات ومرات: في الصويفية، وفي الموقر، وفي الأشرفية، وفي حسبان. أسماء أحياء ومدن كانت إلى وقت قريب مجرد عناوين على خرائط، فصارت فجأة عناوين لأخبار عاجلة. والسؤال الذي يفرض نفسه ليس "ماذا حدث؟"، فالتفاصيل معروفة ومؤلمة، بل سؤال أشد قسوة:
كيف يسمح إنسان عادي، بلا سوابق ولا جنون، للحظة غضب أن تصبح حكم إعدام ينفّذ بيده؟
مشهد أول: حين يصبح الشارع مسرحاً للجريمة
في "الصويفية"، لم تكن القصة أكثر من مشاجرة: شابٌ في العشرينيات، ضربة على الرأس، ثم لا شيء بعدها سوى الموت. ضبطت مديرية الأمن العام ثلاثة من أطراف الواقعة، فيما لا يزال التحقيق جارياً لملاحقة الباقين. في "الموقر"، بدأت القصة بجثة حدثٍ من جنسية عربية، وانتهت، بحسب البيان الأمني، بإقرار حدث آخر لا يتجاوز السابعة عشرة بخنقه. جريمتان بفارق أيام، تجمع بينهما هشاشة العمر وسرعة الانزلاق من الخلاف إلى الموت.
أما "الأشرفية"، فهي المشهد الأكثر دلالة على عبثية هذا العنف: خلاف بين جيران، ثم محاولة صلح، ثم رصاص أودى بحياة شخصين، أحدهما لم يكن أصلاً طرفاً في الخصام، بل جاء ليُصلح بين الطرفين فدفع حياته ثمناً لمحاولة إطفاء النار. وفي "حسبان"، تجاوز العنف الأسري حدود البيت إلى مكان العمل، حين أطلق رجل، بحسب البيان الأمني، النار داخل مركز اجتماعي، ما أسفر عن مقتل زوجته واثنين من موظفي المركز معها. وقد رصدت صحيفة "الغد" ثماني وفيات بحوادث قتل خلال الأسبوع الأول من حزيران وحده، بينها مشاجرة مسلحة في الأشرفية، وجريمة طعن في إربد، وجريمة حسبان.
مشهد ثانٍ: حين تتحدث الأرقام بلغة مختلفة
هنا يجب أن نتوقف، لا لنخفف من وقع الصدمة، بل لنحميها من التضخيم الذي يُفقدها معناها الحقيقي. فالتقرير الإحصائي الجنائي لعام 2025، الصادر عن مديرية الأمن العام، يُظهر أن إجمالي الجرائم المسجلة تراجع بنسبة 4.01%، وأن الجرائم الواقعة على الإنسان تراجعت بنسبة 6.36%، وأن جرائم القتل العمد انخفضت إلى 41 جريمة خلال العام. الأردن، وفق هذه البيانات التي تنشرها مديرية الأمن العام ضمن نافذة "إحصائيات رقمية"، لا يعيش موجة جريمة متصاعدة سنوياً.
لكن الرقم الهادئ لا يعني بالضرورة مجتمعاً هادئاً. فالمشكلة ليست في "كمّ" الجرائم، بل في "نمطها": خلاف عابر يتحول إلى قتل، مشاجرة تنتهي باعتداء مميت، نزاع أسري يمتد من غرفة النوم إلى مكان العمل، ومراهق يزهق روح مراهق آخر. حين يتكرر هذا النمط، فإن الرقم الإجمالي المطمئن يصبح عزاءً بارداً لا يشرح لنا لماذا يتحول جيران الأمس إلى قتلة اليوم.
الأسئلة التي لا تُطرح إلا بعد فوات الأوان
لماذا نُسيء إدارة خلافاتنا؟
في أغلب هذه الحوادث لم يكن الدافع تخطيطاً إجرامياً، بل خلافاً شخصياً صغيراً تُرك بلا معالجة حتى انفجر. حين تغيب مهارة التهدئة، ويتحول "رد الاعتبار" إلى قانونٍ أعلى من القانون نفسه، يصبح العنف اللغة الوحيدة المتاحة لإثبات الذات. جريمة الأشرفية تختصر هذه المفارقة بقسوة: رجل حاول أن يكون وسيطًا للسلام، فسقط أول ضحاياها.
لماذا يفقد بعض الناس قدرتهم على الاحتمال؟
لا يمكن اختزال القتل في الفقر أو البطالة وحدهما، إذ تتراكم الضغوط الاقتصادية أحياناً مع العزلة والتفكك الأسري والشعور بالعجز، فتضعف قدرة الفرد على كبح انفعاله في اللحظة الحاسمة. وتشير دائرة الإحصاءات العامة إلى أن معدل البطالة الإجمالي في الأردن بلغ 16.1% في الربع الأول من عام 2026، وارتفع بين الذكور الأردنيين إلى 17.9% - هذه الأرقام لا تفسر الجريمة تفسيراً مباشراً، لكنها ترسم جزءاً من المناخ الضاغط الذي يعيش فيه كثيرون.
لماذا يُترك العنف الأسري حتى يتحول إلى مجزرة؟
جريمة حسبان ليست حادثاً معزولاً: نقلت "الجزيرة نت" عن خبراء أن العنف الأسري يرتبط عادة بتراكمات نفسية واجتماعية طويلة وبضعف التدخل المبكر، وأن الأردن سجّل خلال عام 2025 سبعة عشر واقعة قتل ووفاة مرتبطة بالإطار الأسري، بحسب جمعية "تضامن". والمأساة أن إشارات الخطر - التهديد والغيرة المرضية والعنف المتكرر - كانت غالباً موجودة قبل الجريمة بوقت طويل، لكنها لم تُؤخذ على محمل الجد إلا بعد فوات الأوان.
لماذا يقتل قاصرٌ قاصراً؟
جريمة الموقر تطرح سؤالاً مختلفاً عن بقية الحوادث؛ فالضحية هنا لم يتجاوز الثالثة عشرة من عمره، في حين كان المشتبه به حدثاً في السابعة عشرة. وحين يكون الفارق بين المشتبه به والضحية فارقاً نمائياً لا عدديّاً، أي الفارق بين طفولة متأخرة ومراهقة متقدمة قادرة على التخطيط والتنفيذ، تسقط التفسيرات الجاهزة التي اعتدنا اللجوء إليها عند الحديث عن عنف البالغين، من قبيل ضغوط الإعالة أو تراكم سنوات من الإحباط، ويبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: أين كان الإشراف؟ ومن كان يراقب هذين المراهقين؟
واللافت أن الجريمة، وفق ما أوردته وسائل إعلام محلية، لم تكن نتاج مشادة لحظية انفجرت في مكانها، بل انطوت على استدراج مسبق للطفل إلى منزل مهجور، وصولاً إلى خنق أنهى حياته؛ وهو ما يضع الحادثة في موقع مختلف عن بقية الوقائع التي نشأت عن خلافات لحظية متفجرة.
وكون الضحية من جنسية عربية غير أردنية يضيف طبقة أخرى من الهشاشة، إذ كثيراً ما يفتقر القاصر غير المواطن إلى الشبكة الأسرية والمجتمعية التي قد تُنذر مبكراً بالخطر. ومن هنا تبدو الحاجة ملحّة إلى برامج جدية لإدارة الغضب والنزاعات بين المراهقين، لا بوصفها نشاطاً مدرسياً عابراً، بل كجزء من الوقاية الاجتماعية.
لماذا نترك أداة القتل في متناول اليد؟
ما يجمع بين حسبان والأشرفية والصويفية والموقر ليس نوع الأداة؛ سلاح ناري، ضربة على الرأس، أو خنق باليدين، بل سهولة انتقال الغضب من الانفعال إلى الفعل القاتل. فالسؤال الحقيقي ليس "بماذا قُتل؟"، بل "لماذا كان مرتكب الفعل قادراً، دون عائق يذكر، على تحويل غضبه إلى فعل لا رجعة فيه؟" حين لا تُطبّق الرقابة على حيازة السلاح بالصرامة الكافية، وحين تغيب آليات الوساطة المجتمعية قبل أن يبلغ النزاع ذروته، وحين لا يجد الغاضب من يوقفه أو يهدئه أو ينزع منه أداة الخطر، يتحول أي شيء قريب من اليد إلى وسيلة قتل. والفارق بين مشادة عابرة تنتهي بالتصالح وجريمة قتل تنتهي بجنازتين، غالباً ما يكون فارقاً في الفرصة المتاحة، لا في النية الأصلية. وهذا بالتحديد ما يجعل الرقابة على وسائل القتل - سلاحاً كانت أم غيره - مسألة سياسة عامة لا تفصيلًا هامشيًا.
لماذا نتذكر الوقاية فقط بعد الجريمة؟
يملك الأردن جهازاً أمنياً كفؤاً في الاستجابة بعد وقوع الحدث، لكن الثغرة الحقيقية تكمن فيما قبل ذلك: في الإرشاد الأسري، والتدخل المبكر في حالات العنف المنزلي، والرقابة الصارمة على حيازة السلاح، وبرامج إدارة الغضب المشار إليها أعلاه - إضافة إلى تفعيل دور الوجهاء والمؤسسات المحلية ضمن إطار قانوني يمنع تسوية الجرائم أو تمييع المسؤولية.
الأمن لا يبدأ من مسرح الجريمة
كل هذه الحوادث تتقاطع عند حقيقة واحدة: لم تكن مفاجئة كما بدت. فكل جريمة قتل لها تاريخ سابق لها. تهديد لم يُؤخذ بجدية، خلاف لم يجد من يتوسط فيه، سلاح ظل بلا رقابة، غضب تراكم دون تفريغ، وأسرة أو حي أو مؤسسة غضّت الطرف عن الإشارة الحمراء حين كان لا يزال بالإمكان إيقافها.
المطلوب هنا ليس ذعراً جماعياً يضخّم الأرقام، ولا تطميناً رسمياً يخدّر الوعي، بل يقظة جماعية تُعيد صياغة السؤال من "كيف نُعاقب بعد الجريمة؟" إلى "كيف نمنع لحظة الغضب من أن تتحول إلى جثة؟". فحين نُعلّم أبناءنا أن القانون ليس ضعفاً، وأن ضبط النفس ليس جبناً، وأن الخلاف "مهما اشتدّ" لا يحسم باليد ولا بالسلاح، عندها فقط نبدأ في بناء الأمن الحقيقي. ذلك الأمن الذي لا يبدأ من مسرح الجريمة، بل من كل لحظة سبقته ولم نلتفت إليها.