فجّرت وثائق قضائية في الولايات المتحدة موجة غضب سياسي وشعبي عارم، بعد الكشف عن جني عائلة "آدامز" -المالكة لشركة "كال-مين" (Cal-Maine)، أكبر منتج للبيض في أمريكا- نحو 320 مليون دولار من بيع حصة من أسهمها في الشركة.
وكشف المدعون العامون عن مخطط دؤوب استمر سنوات، قادته الشركة بالتعاون مع منافسيها للتلاعب بالسوق، وتعميق أزمة المعيشة وارتفاع تكلفة الغذاء لدى المواطن الأمريكي.
وفقاً لتقرير نشرته صحيفة فايننشال تايمز، فإن وزارة العدل الأمريكية و17 مدعياً عاماً في الولايات وجهوا اتهامات لـ"كال-مين" وشركتين منافستين بتنفيذ مخطط سري مستغلين أزمة تفشي "إنفلونزا الطيور" كغطاء لتبرير قفزات الأسعار.
خطة إشعال سعر البيض في أمريكا
تمتلك بيع عائلة آدامز، وتدير شركة كال-مين منذ ما يقرب من 7 عقود.
ويقول المدعون وفق صحيفة فايننشال تايمز، إن كال-مين وشركتين منافستين قامتا -خلال فترة التلاعب- بتنسيق عروض وتداولات سرية للتأثير على المؤشر المرجعي المستخدم في العقود في سوق البيض الأمريكي.
وتضاعف سعر سهم كال-مين تقريبًا خلال تلك الفترة، حيث ارتفع من حوالي 45 دولارًا للسهم في يونيو/حزيران 2022 إلى 95 دولارًا للسهم في مارس/آذار 2025، مما سمح للعائلة بجني أرباح طائلة بالقرب من أعلى مستوى له على الإطلاق.
وارتفعت أسعار البيض من الدرجة الأولى (A) أربعة أضعاف لتتجاوز 8.50 دولار للدزينة في فبراير/شباط 2025، وفقًا لتقرير لخدمة معلومات أسعار السلع الأساسية "إكسبانا"، قبل أن تتراجع إلى نحو 2.19 دولارًا في مايو/أيار من هذا العام.
محور أزمة معيشة الأمريكيين
وكان الارتفاع الحاد في أسعار البيض عاملاً رئيسياً في شكاوى الأمريكيين من أزمة القدرة على تحمل التكاليف التي اجتاحت الولايات المتحدة، والتي تحولت إلى قضية سياسية وأدت في نهاية المطاف إلى تحقيق تقوده الولايات المتحدة في أسبابها.
وبينما تسبب تفشي إنفلونزا الطيور في صدمة في الإمدادات، قالت السلطات الأمريكية إن مسؤولين تنفيذيين في القطاع استغلوا الأزمة للتلاعب بالسوق.
وزعمت شكوى رُفعت الشهر الماضي من قِبل وزارة العدل الأمريكية و17 مدعياً عاماً في الولايات أن مسؤولين تنفيذيين في شركات كال-مين، وهيكمانز إيغ رانش، وفيرسوفا، عملوا على تضخيم عروض الأسعار المقدمة إلى خدمة أورنر باري المعيارية، والتي تُستخدم لتسعير مليارات البيض المباعة سنوياً لمحلات السوبر ماركت والمطاعم وشركات خدمات الطعام.
وجاء في الشكوى أنه في 4 ديسمبر/كانون الأول 2024، وبعد مكالمات مع مسؤولين تنفيذيين من شركتي كال-مين وفيرسوفا، أرسل "الرئيس التنفيذي السابق لشركة كال-مين" رسالة نصية إلى الرئيس التنفيذي لشركة هيكمان جاء فيها: "أطلق العنان".
وبعد ذلك، نشرت الشركتان عروضًا إضافية لشراء البيض، وزادت نسبة العروض المقدمة بأسعار مرتفعة، وتركت بعضها دون تنفيذ، في محاولة لإظهار طلب قوي لشركة أورنر باري ورفع أسعارها، وفقًا لما ذكره المدعون.
ولم تذكر الشكوى اسم الرئيس التنفيذي السابق. وتُظهر ملفات شركة كال-مين أن أدولفوس "دولف" بيكر، صهر المؤسس الراحل فريد آر آدامز جونيور، تنحى عن منصبه كرئيس تنفيذي في سبتمبر/أيلول 2022، لكنه بقي رئيسًا لمجلس الإدارة وعضوًا تنفيذيًا.
وكان بيكر أحد المساهمين البائعين في عملية بيع حصص العائلة.
ونفت شركة كال-مين ارتكاب أي مخالفات في القضية المرجعية، وأكدت أن تصرفاتها كانت قانونية. ولا تتضمن التسوية المقترحة أي إقرار بالمسؤولية، ولا تزال بحاجة إلى موافقة المحكمة.
كانت عائلة آدامز تسيطر على كال-مين من خلال أسهم الفئة (أ) ذات حقوق التصويت المميزة، والمملوكة لشركة تُدعى "دوتيرز" (Daughters LLC).
وفي فبراير/شباط 2025، أعلنت الشركة عن اتفاقية مع بنات مؤسسها الراحل وبيكر الأربع لتحويل تلك الأسهم إلى أسهم عادية، مما قلل من قوة تصويت العائلة وأنهى سيطرتها الأغلبية.
وقالت الشركة حينها إن عملية التحويل ستتيح لأفراد العائلة النظر في "إمكانية تنويع محافظهم المالية الفردية"، وقال بيكر إن قرار النظر في التنويع كان "شخصيًا" واتُخذ في سياق "جهود العائلة في التخطيط المالي وتخطيط التركة".
وقادت غولدمان ساكس عملية بيع حصة عائلة آدامز في أبريل/ نيسان 2025.
وتمّ التحويل في 14 أبريل/نيسان 2025. وفي اليوم التالي، أبرمت شركة كال-مين اتفاقية اكتتاب مع غولدمان ساكس لبيع ما يقارب 3 ملايين سهم مملوكة للعائلة بسعر 92.75 دولار للسهم.
ولم تبع الشركة أي أسهم ولم تحصل على أي عائدات من الطرح.
بالإضافة إلى البيع الثانوي، وافقت كال-مين على إعادة شراء 551,876 سهمًا من أفراد العائلة البائعين مقابل حوالي 50 مليون دولار، وذلك باستخدام برنامج جديد لإعادة شراء الأسهم بقيمة 500 مليون دولار أُعلن عنه قبل أسابيع.
وأُغلق الطرح وإعادة الشراء في 17 أبريل/نيسان.
وكان البيع بمثابة تسييل جزئي وليس خروجًا كاملًا، واحتفظ أفراد العائلة بأسهمهم بعد الصفقة، وبقي بيكر رئيسًا لمجلس إدارة كال-مين.
فترة من الأرباح الاستثنائية
وسبق أن كشفت شركة كال-مين لأول مرة في تقريرها الفصلي بتاريخ 8 أبريل/نيسان 2025 عن تلقيها طلبًا للتحقيق المدني من وزارة العدل الأمريكية في مارس/آذار الماضي، وذلك في إطار تحقيق واسع النطاق لمكافحة الاحتكار يتعلق بارتفاع أسعار البيض على مستوى البلاد.
وقد أُعلن الاتفاق العائلي قبل تلقي طلب التحقيق أو الإفصاح عنه، إلا أن تحويل الأسهم وبيعها الثانوي وإعادة شراء الشركة لها تمت جميعها لاحقًا.
وتأتي هذه الصفقة أيضًا في أعقاب فترة من الأرباح الاستثنائية التي حققتها كال-مين.
فقد ارتفع صافي مبيعات الشركة إلى 4.3 مليار دولار في السنة المالية 2025، مقارنةً بـ2.3 مليار دولار أمريكي في العام السابق، بينما ارتفع صافي الدخل إلى 1.2 مليار دولار أمريكي من 277.9 مليون دولار أمريكي.
وبلغ إجمالي الربح 1.85 مليار دولار، مرتفعًا من 541.6 مليون دولار في السنة المالية 2024، مدفوعًا بشكل أساسي بارتفاع متوسط أسعار البيع، لا سيما للبيض التقليدي، وزيادة الكميات.
ودفعت كال-مين 252 مليون دولار كأرباح موزعة في السنة المالية 2023، بزيادة حادة عن العام السابق، حيث أدى اضطراب إنفلونزا الطيور إلى ارتفاع أسعار البيض.
كما تُظهر ملفات الشركة أنها دفعت 330 مليون دولار كأرباح في السنة المالية 2025.