في يومٍ جميل قصدنا شاطئ البحر الميت، حيث يمتزج سكون الطبيعة بعظمة الخالق. وبينما كنا نستمتع بجمال المكان، أخذنا نُلقي كِسَرًا صغيرة من الخبز لعصفورٍ كان يحوم حولنا.
وما هي إلا لحظات حتى انضم إليه عددٌ لا بأس به من رفاقه، وكأنهم قد تناقلوا فيما بينهم رسالةً مفادها أن المكان آمن، وأن هناك من يمدّ لهم يدًا لا تحمل حجرًا، بل لقمة حياة.
يا لها من لحظةٍ مفعمة بالفرح! فالعصافير، على صِغر حجمها، تُميّز بين اليد التي تُطعم واليد التي تؤذي، وتعرف متى تقترب ومتى تبتعد. وحين شعرت بالأمان، أخذت تدنو أكثر فأكثر، تنتظر رزقها في هدوء وطمأنينة، ثم تخطف كسرة الخبز لتأكلها، أو تطير بها قليلًا قبل أن تعود سريعًا لتلتقط كسرةً أخرى. كان مشهدًا بسيطًا، لكنه يحمل رسالةً عميقة للإنسان الذي كثيرًا ما فقد بساطة قلبه وحريته.
غير أن المفارقة المؤلمة تكمن في أن هذه الطيور، التي لم تؤذِ أحدًا، كثيرًا ما تقع ضحية شر الإنسان. فالإنسان الذي أُعطي سلطانًا ليحفظ الخليقة ويعتني بها، أصبح في أحيانٍ كثيرة سببًا في تلويثها، وإفسادها، وإهلاك طيورها وحيواناتها، بل والأشد مرارة أنه بات يؤذي أخاه الإنسان قبل أن يؤذي الطبيعة. وكأن الخطية التي دخلت العالم لم تُفسد علاقة الإنسان بالله فحسب، بل شوَّهت أيضًا علاقته بأخيه الإنسان وبالخليقة كلها.
وحين نتأمل حياة الطير، نجدها مدرسةً روحية بامتياز. فهي تحلّق بحرية، لا تعرف حدودًا سياسية، ولا تحمل جواز سفر، ولا تقف على المعابر، ولا تُثقِل كاهلها هموم الغد. تبني عشها من أعوادٍ وقشٍ يجود الله بهما عليها، وتغادره عندما يحين الوقت. أما صغارها، فما إن يقوى جناحهم حتى ينطلقوا في الحياة، معتمدين على العناية الإلهية التي لم تتخلَّ عنهم يومًا.
ولعل هذا ما أراد السيد المسيح أن يغرسه في قلوبنا حين قال: «انظروا إلى طيور السماء: إنها لا تزرع ولا تحصد ولا تجمع إلى مخازن، وأبوكم السماوي يقوتها. ألستم أنتم بالحري أفضل منها؟» (متى ٦: ٢٦). فلم يدعُنا إلى الكسل أو الاتكالية، بل إلى الثقة بعناية الله التي تسبق احتياجاتنا وترافق مسيرتنا، وإلى التحرر من عبودية القلق الذي يسرق سلام القلب.
ومع ذلك، فإن الطير ليس بمنأى عن شر الإنسان. فكم من غابةٍ أُحرقت، وكم من موطنٍ طبيعي دُمِّر، وكم من طائرٍ سقط ضحية طمع البشر وجشعهم. وكأن الخطية، حين استقرت في قلب الإنسان، راحت تُطارد كل ما هو جميل ونقي.
إن أجمل ما في الحياة ليس كثرة الممتلكات، ولا وفرة المال، ولا علو المناصب، بل الحرية الداخلية التي يمنحها الله، والسلام الذي يملأ القلب، والبساطة التي تُعيد الإنسان إلى إنسانيته. فحين يسكن الله في القلب، تتحطم قيود الخوف، ويسترد الإنسان شيئًا من فردوسه المفقود، ويصبح قادرًا على أن يعيش في هذا العالم دون أن يستعبده العالم.
فهل يتعظ الإنسان من درس العصافير؟ وهل يعود إلى الثقة بالله بدل الاتكال على قوته؟ وهل يتخلى عن جشعه وكبريائه وأنانيته ليصير صانع سلام، يحفظ الخليقة بدل أن يفسدها، ويحتضن أخاه الإنسان بدل أن يؤذيه؟
لعل العصفور الصغير، وهو يحلّق في فضاء الله الواسع، يذكّرنا بأن الحرية الحقيقية لا تُقاس باتساع السماء التي نطير فيها، بل باتساع القلب الذي يسكنه الله. فمن عرف الله عاش حرًا، وإن أحاطت به القيود، ومن ابتعد عنه بقي أسيرًا، ولو ملك العالم بأسره.
فالحرية ليست غياب القيود الخارجية فحسب، بل هي حضور الله في الداخل، عندها تتحرر النفس من خوفها، ومن عبودية الخطية، ومن سطوة الأنانية، لتختبر مجد أولاد الله الذين دُعوا لا ليعيشوا لأنفسهم، بل ليكونوا بركةً لكل الخليقة.