يأتي رمضان هذا العام في ظرف استثنائي على كافة الأصعدة، فقد أطلت علينا الحرب في أوكرانيا، ولم يكد العالم يخرج من أزمة وباء كورونا على مدى عامين التي ما زالت تعرقل سلاسل التوريد حول العالم وتضغط سلبا على الإنتاج وبالتالي تؤدي إلى ارتفاع الأسعار حتى وقعت الحرب في أوكرانيا، هذه الحرب تسببت إلى جنب مع العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة والدول الغربية على روسيا في "الارتفاع الصاروخي" في أسعار المواد الغذائية والأسمدة والوقود العالمية، وتعريض الإمدادات الغذائية العالمية للخطر. فالحدث الذي يعتبر الأهم في القرن الواحد والعشرين ستتخد بناء على نتائجه تغييرات جيوسياسية ضخمة على الصعيد العالمي ربما بدأت بوادرها بالظهور... والقارة الأفريقية ليست خارج دائرة تداعيات هذه الأزمة الدولية الخطيرة، فإن أسوأ ارتفاع في أسعار الغذاء منذ الركود العظيم، يلوح في الأفق في جميع قارة أفريقيا وأنحاء العالم، الأمر الذي قد يؤدي إلى تأجيج آفة الجوع، واشتعال الاضطرابات السياسية، في غير دولة، بعيدا عن منطقة المعارك. إنّ الأهم والأخطر من الحرب الروسية الأوكرانية، والتي يمكن اعتبارها طارئة حتى الآن، هي أزمة الغذاء، فهناك قدر من ارتفاع أسعار الغذاء يعود لارتفاع أسعار الطاقة بالتجزئة لعمليات تصنيع الغذاء ونقل المواد الغذائية، لكن بالأساس، فالحرب في أوكرانيا توشك أن تعطل ثلث التجارة العالمية في أهم أنواع الحبوب: القمح، ولا يقتصر الأمر على القمح فحسب، بل هناك حبوب أخرى ومنتجات غذائية تسهم بها البلدان في التجارة العالمية بنسبة كبيرة، لكن يظل القمح، باعتباره مكوِّنا أساسيا في الغذاء اليومي لمئات ملايين البشر حول العالم، أهم.
وبعيداً عن السياسة، يتساءل الكثيرون عن أثر ما يجري في أوكرانيا على أفريقيا...؟ أبرز باتريك في ورقة كتبها رفقة آن بريث تفينيريم وزيرة التطوير الدولي النرويجية وأكينوومي أديسينا رئيس مجموعة بنك التنمية الإفريقي، أسموها بـ "النزاع الحالي وخطة للأمن الغذائي في أفريقيا"، أن ارتفاع أسعار المواد الغذائية ليس بالهين، بالنسبة لـ 283 مليون شخصا يعانون بالفعل من الجوع في القارة الأفريقية، والحرب في أوكرانيا كشفت عن اعتماد أفريقيا المزمن على الواردات الغذائية التي تتمثل في القمح بحوالي 90 في المائة من تجارة أفريقيا مع روسيا، والتي تبلغ 4 مليارات دولار، ونحو نصف تجارة القارة البالغة 4.5 مليار دولار مع أوكرانيا، ويزيد الأمور تعقيداً العقوبات المفروضة على روسيا، إذ عطّلت شحنات الحبوب في وقت كانت فيه المخزونات العالمية محدودة بالفعل، مما يثير الآن شبح المجاعة الجماعية في قارة تعتمد على الواردات الغذائية لتغذية نفسها. ومروراً بنفس السياق، قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش مؤخراً: "باختصار، البلدان النامية هي الأكثر تضرراً من هذه الحرب".
ووفقاً للأمم المتحدة، تستورد 45 دولة أفريقية، هي أقل الدول نمواً، ما لا يقل عن ثلث إنتاجها من القمح من روسيا أو أوكرانيا، وتستورد العديد من الدول الأفريقية معظم قمحها من روسيا وأوكرانيا اللتين هما في حالة حرب في الوقت الراهن، فالجزائر تستورد كميات ضخمة من الحبوب من أوكرانيا وروسيا، كما أن مصر تستورد قرابة 90 في المائة من قمحها من روسيا وأوكرانيا أيضا، وتستورد ليبيا 43 في المائة من إجمالي استهلاكها من القمح من أوكرانيا، وسيؤدي انقطاع الإمدادات (من القمح) وارتفاع الأسعار إلى زيادة انعدام الأمن الغذائي الحالي من خلال تقنين كمية الطعام الصغيرة التي يمكنهم تأمينها عليه بشقّ الأنفس، كما ستزيد فئة الأشخاص الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي، وشأنها في ذلك شأن كينيا التي تستورد ما يعادل 75 في المائة من قمحها من أوكرانيا وروسيا، وفقًا لإحصاءات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة الأمم (الفاو). وتعتبر روسيا في الوقت الحاضر أول مُصدِّر للقمح في العالم، حيث قامت بتصدير 18 مليون طن من القمح في عام 2020، بينما تأتي أوكرانيا في المرتبة الخامسة في قائمة المصدِّرين، إذ صدَّرت أوكرانيا منتجات زراعية بقيمة 2.9 بليون دولار لأفريقيا في العام 2020، مثَّل القمح منها 48 في المائة، والذرة 31 في المائة، وتمثلت النسبة المتبقية (21 في المائة) في سلع زيت دوار الشمس والشعير وفول الصويا.
لقد تسبّب الصراع الروسي الأوكراني في ارتفاع حادّ في أسعار القمح إثر اندلاعه، ويحذر أليكس سميث، محلل الزراعة والغذاء في معهد بريكثرو في فورين بوليسي من أنه "بالكاد مرَّ عقد من الزمان منذ الربيع العربي عندما كان ارتفاع أسعار المواد الغذائية هو الشرارة التي أشعلت فتيل الثورة" على حد تعبيره. فمنذ اندلاع الحرب، ارتفعت أسعار القمح بنسبة 21 في المائة، والشعير 33 في المائة، وبعض الأسمدة 40 في المائة، وبالتأكيد تؤدي الحرب في أوكرانيا والعقوبات المرتبطة بها إلى تفاقم أزمة الجوع الموجودة بالفعل في العالم، فقد وجدت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة أن ما يقرب من واحد من كل ثلاثة أشخاص في العالم، 2.37 مليار، لم يتمكنوا من الوصول إلى الغذاء الكافي في عام 2020. وقد ساء الوضع في السنوات الأخيرة، مع ارتفاع أسعار المواد الغذائية بسبب جائحة فيروس كورونا إلى حد كبير، وتغير المناخ والاضطرابات ذات الصلة، حيث قال ديفيد إم بيسلي ، المدير التنفيذي لبرنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة: "لقد ضاعفت أوكرانيا من الكارثة الموجودة بالفعل حيث لا توجد سابقة لمثل هذه الكارثة منذ الحرب العالمية الثانية"، محذراً من أن مليارات الأشخاص حول العالم سيعانون من أزمة الجوع هذه حتى تنتهي الحرب والعقوبات.
إن السياسة والاقتصاد هما نمطان ضروريان لاستمرار وتأمين متطلبات الحياة البشرية وبخاصة في الحروب والأزمات، والحرب الأوكرانية جعلت سلة الأمن الغذائي الأفريقي في خطر. وفي هذا السياق، قال نائب الممثل الدائم للصين لدى الأمم المتحدة داي بينغ، إن زيادة العقوبات الغربية ضد روسيا وتوسيع نطاقها سيؤثر سلباً على البلدان النامية. وفي كلمة له أمام أعضاء مجلس الأمن قال داي: إن زيادة حزمة ونطاق العقوبات ضد روسيا سيضرب أسواق الغذاء والطاقة الدولية، موضحاً أن العقوبات ستؤثر أيضاً على حياة العديد من الناس العاديين، ما يتسبب في مشاكل إنسانية جديدة. وشدد داي على أن العقوبات والحصار الاقتصادي سيؤديان إلى نقص مصطنع في الغذاء وتقلبات في الأسعار، وقال إنهم سيضعون عبئاً غير ضروري على عاتق الدول النامية. وبدورها أكدت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا صادر يوم 10 مارس الماضي، أن أفريقيا معرضة بشكل خاص لتأثيرات حرب أوكرانيا من خلال أربع قنوات رئيسية، هي ارتفاع أسعار المواد الغذائية، وارتفاع أسعار الوقود، وانخفاض عائدات السياحة، وربما صعوبة أكبر في الوصول إلى أسواق رأس المال الدولية.
في تقديرنا الشخصي، فالحرب الجارية في أوكرانيا تعتبر أعنف زلزال يضرب "القرية الكونية" منذ عقود، حرب تعني سعر القمح والرغيف الذي نحتاجه دائماً، وسعر الغاز، وسعر الوقود، في عالم شديد الترابط... والمقلق في الأمر، أن تفاقم أزمة الغذاء أو تراجعها، يعتمد في الواقع على تقدم الحرب والعقوبات المالية المفروضة على روسيا، من هنا، فإنه يتعذر حاليا، توقع كيفية تأثير الصراع الجاري بالضبط على أسعار المواد الغذائية والإمدادات العالمية، غير أن القلق الحقيقي يكمن، إذا قررت روسيا وقف صادرات القمح في حال أدت العقوبات المالية عليها، إلى التسبب بالمصاعب الاقتصادية للسكان الروس، عندها يمكن لبوتين أن يقول فقط إننا سنقوم بخفض الصادرات بقدر ما يمكننا إبقاء أسعار المواد الغذائية منخفضة في روسيا، حينها سيكون العالم على شفير كارثة لن يكون الغرب الصانع لهذه الحرب بمنأى عنها. وبناء على ما سبق، فإن النظام الدولي عموماً، ومعظم الدول الأفريقية، إن لم نقل جميعها، سوف تعيش حالة من تهديد الأمن الغذائي، في حال استمرار تأزم الوضع في أوكرانيا وما يرافقه من تصعيد غربي عبر العقوبات ضد روسيا، وهو ما سيزيد الوضع سوءاً لمعظم الدول الأفريقية بعد الآثار السلبية التي طالت معظم الجوانب إثر انتشار جائحة كورنا، بالتزامن مع موجة الجفاف وتراجع معدلات الزراعة وغيرها، لتأتي اليوم الأزمة الأوكرانية لتزيد الوضع سوءاً، حيث ستتمثل تحديات الأمن الغذائي خلال المرحلة القادمة بما يلي: أولاً: ارتفاع أسعار القمح المستورد من روسيا وأوكرانيا، وهو ما سيكبّد خزائن الدول مبالغ إضافية ستنعكس حتماً على المواطنين. ثانياً: صعوبة استيراد القمح في ظل عدم قدرة أوكرانيا على التصدير، وصعوبة التعامل مع روسيا نقدياً ومالياً خشية من العقوبات. وثالثاً: عدم وجود طريق بحري لتوريد القمح، وهو ما سيدفع نحو اللجوء لوسائل أخرى كالطيران، وهذا ما سيكبّد اقتصاديات الدول مبالغ أعلى. ولعل هذه الحرب، وما استتبعها من أنظمة غذاء عالمية محتملة، تثبت مرة أخرى الحقيقة الأساسية في هذا العالم: من يزرع يحصد محصول زرعه، ومن يملك قوت يومه أقوى مئة مرة ممن يملك كل أسلحة الدنيا المتطورة. نعم، قد تكون الطبيعة وزعت فرص الزراعة بنصيب أكبر لهذه المنطقة عن تلك، لكن كل هذا التطور الهائل في حياة البشر وابتكاراتهم في منتجات الاستهلاك الرقمية والتخيلية والألعاب الإلكترونية وغيرها ربما كان أجدى أن يوجه بعضها لابتكارات في مجال إنتاج الغذاء.