إذا كان عمرك 92 عاماً ولديك 3 أبناء وتملك 100 مليار دولار، ماذا ستفعل بها؟ غالباً ستكون إجابتك أن تمنحها لأبنائك، لكن بالنسبة لسادس أغنى رجل في العالم بحسب (Forbes)، رجل الأعمال الأمريكي وارين بافيت، فإنه يفضل أن يتبرع بهذا المبلغ للأعمال الخيرية، ولا يورث هذه الثروة لأبنائه، لكن هذا لا يعني أنه سيحرم أبناءه.
هذا الرجل الذي يعتقد أن فكرة انتقال الثروة الهائلة من جيل لآخر باتت غير جذابة وأقل شيوعاً يعتبر من أصحاب قصص الأثرياء العصاميين الملهمة، رغم فضل والده في إدخاله عالم الأعمال منذ سن مبكرة، ورغم أنه كان مستثمراً حريصاً في البداية، فإنه أصبح أحد أكثر الأثرياء سخاءً في العالم بعد تربعه عرش عشرات الشركات الكبيرة.
ولد بافيت (1930) لأبٍ يعمل سمساراً للأوراق المالية في شركة وساطة خاصة، بينما كانت أمه ربة منزل، ولديه أخ يكبره وأخت تصغره.
عمل والده جعله يهوى عالم الاستثمار من طفولته، خصوصاً أنه كان كثير التردد على مكتب والده، حيث كان يكتب الأرقام على السبورة، أو يقرأ الكتب هناك، ويبدو أنه تأثر بكتاب "ألف طريقة لكسب 1000 دولار"، حتى إنه أخبر زميلاً له في المدرسة الابتدائية أنه سوف يقفز من أعلى مبنى في مدينته إن لم يصبح مليونيراً في سن الثلاثين.
بدأ بافيت مشاريع الطفولة مثلنا، لكنه حقق نتيجة مختلفة، إذ كان في طفولته يشتري العلكة وزجاجات الكولا من محل بقالة جده ويوصلها لمنازل زبائنه مقابل مبلغ أكبر، كما كان يبحث عن كرات الغولف المستعملة ويبيعها، وكذلك بيع الفشار في مباريات كرة القدم بجامعة مدينته (أوماها بولاية نبراسكا).
وفي الـ11 من عمره، اصطحبه والده في رحلة إلى نيويورك، ولأن الطفل بافيت كان قريباً من عالم الأعمال فكان يسمع عن بورصة نيويورك، وطلب من والده زيارتها مع بعض الشركات بالمدينة، وبهذا العمر دخل البورصة بأول استثمار بشراء سهم بـ120 دولاراً كان قد جمعها من أعماله، كما اشترى 6 أسهم لنفسه ولأخته في شركة نفط وغاز تسمى Cities Service، كان سعر السهم حينها 38.25 دولار.
حدث شيء علّم هذا الطفل الصغير الكثير عن عالم البورصة، إذ انخفض سعر الأسهم التي اشتراها إلى 27 دولاراً، لذلك بمجرد ارتفاعه إلى 40 دولاراً قرر البيع، وربح أقل من دولارين، لكنه تابع سعر السهم، ولاحظ ارتفاعه ووصوله إلى 202 دولار، فأدرك هنا أنه كان بإمكانه تحقيق المزيد إذا انتظر.
انتقلت عائلته إلى واشنطن وهو بعمر الـ12، حيث انتخب والده ليخدم فترة ولايته الأولى -من أصل أربع- كعضو في الكونغرس الأمريكي، وبدأ المستثمر الصغير يوسع نطاق عمله، حيث بدأ مع صديق له في استخدام الاحتمالات الرياضية لوضع النصائح في رهانات سباقات الخيل، لكن لأنه لم يكن مشروعاً مسجلاً رسمياً أُغلق.
ثم بدأ يعمل في تسليم الصحف لصحيفة The Washington Post، ولأنه أراد صنع المزيد من المال وسع النشاط، ليسلم أيضاً الصحف لمنافسيها في الطريق مثل صحيفة The Times Herald.
في سن الـ14 اشترى هو وصديقه آلات لعبة الكرة والدبابيس لوضعها في محلات الحلاقة، لكي يدفع العملاء مقابل استخدامها، وكانوا يقسمون الأرباح بينهم وبين الحلاق الذي يمتلك المتجر.
وفي عمر الـ15 عاماً اشترى أول قطعة أرض تسجل باسمه، ومن مدخراته التي وصلت لـ 1200 دولار اشترى 40 فداناً في ولاية نبراسكا، واستثمر فيها أيضاً بتأجيرها إلى مزارع يعمل بها مقابل تقاسم الأرباح.
طبعاً كان ما يفعله بافيت إنجازاً ضخماً بالنسبة لمن في مثل عمره، لدرجة أنه عند تخرجه في المدرسة الثانوية بعمر الـ17 عاماً، كُتب أسفل صورته في كتاب صور دفعته توصيف "يحب الرياضيات وسمسار بورصة في المستقبل".
بالنسبة لشاب في مقتبل عمره يكسب هذا القدر من المال، لماذا سيرغب في إكمال تعليمه؟ لم يرد بافيت الدراسة مجدداً، لكن والده أراد منه دراسة إدارة الأعمال في مدرسة وارتون بجامعة بنسلفانيا، ورضخ لرغبة والده لعامين، لكنه كان يشعر أنه يفهم في إدارة الأعمال أكثر من أساتذته، لذلك انتقل إلى جامعة نبراسكا، حيث تخرج في سن الـ19، وحصل على شهادته في إدارة الأعمال.
أراد بافيت الانضمام لكلية هارفارد للأعمال، لاعتقاده أن هذا سيحفز عقله بالأفكار، لكن تم رفضه. وكان يعمل بينما كان يدرس ويقضي ساعاتٍ طويلة في القراءة، وهو الشيء الذي استمر معه حتى كبر، إذ كان يقرأ بين 600 إلى ألف صفحة يومياً.
قرر بافيت دراسة الماجستير في كلية كولومبيا للأعمال، وذلك فقط لأنه اعتقد أن كتاب "المستثمر الذكي" لبنغامين غراهام هو أذكى كتاب عن الاستثمار على الإطلاق، وكان هذا الكاتب يُدّرس بجامعة كولومبيا، ووجد من الدراسة بالجامعة فرصة ليكون قريباً من هذا الكاتب الذكي، الذي كان الطالب الوحيد الذي يحصل على درجة A+ في مادته، وغراهام كان له تأثير كبير على حياته لاحقاً، لدرجة أن بافيت يقول إن أسلوبه الاستثماري هو 85% بنغامين غراهام و15% فيل فيشر.
كان بافيت ذكياً، لكنه كان شخصاً انطوائياً وخجولاً وعصبياً أيضاً، وقرر أن يغير من هذا وتلقى دورة خطابة عامة للكاتب ديل كارنيغي، التي أثرت فيه لدرجة أنه يعتبرها أحد أهم الدروس التي تلقاها ليصبح في مكانه الحالي.