منذ بدء حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، شوهدت في أجوائه قذائف "دخانية" ألقتها القوات المحتلة، تنشر دخانا أبيض كثيفا فوق مناطق مختلفة. وتبين لاحقا أن هذه القذائف عبارة عن قنابل الفوسفور التي، وبمجرد انتشار دخانها الأبيض في المناطق المزدحمة بالسكان، تتسبب في إصابات حارقة تصل إلى العظام. فكلنا شاهد عبر شاشات الفضائيات، الأطفال الغزيين المصابين بحروق مروعة أذابت جلدهم، وفقدوا بصرهم، فضلا عن العديد من الوفيات الناتجة عن إصابات بنفس القنابل الحارقة، تمثلت في انفجار الشرايين الدموية والنزيف الداخلي الحاد غير المرئي للأطباء.
وتعد القنابل الفوسفورية الحارقة التي ألقيت على الأهالي والمنازل في قطاع غزة، من أبرز الأسلحة "المحرمة دوليا" التي استخدمتها "إسرائيل" بشكل بشع في حربها الهمجية ضد شعبنا في غزة وبيئته وأرضه، وذلك على مدى أسابيع متواصلة، وفي بث حي ومباشر عبر الفضائيات، وعلى مرأى ومسمع "العالم الغربي الحر" ومؤسساته "الدولية" و"الحقوقية" و"الإنسانية" "والبيئية" التي ترفع شعارات "حقوق الطفل" و"حقوق المرأة" و"حقوق الإنسان" "وحقوق الحيوان" و"مكافحة الفقر" و"التنمية المستدامة" "ومحاربة مجرمي الحرب" وما إلى ذلك من شعارات مبتذلة، حولتها هذه الحرب النيونازية إلى نكات تراجيدية تقطر نفاقا ولؤما وحقدا.
وفي الأمس القريب، لم ينس أهل غزة الملكومون المقهورون المجوعون مطالبة مدعي محكمة الجنايات الدولية الخبيثة بمحاكمة عمر البشير، بادعاء اقترافه "جرائم حرب" في دارفور، أم محاكمة الاحتلال الأميركي وأعوانه في العراق لصدام حسين وإعدامه، بذريعة اقترافه "جرائم ضد الإنسانية"، أم مطالبة محكمة الجنايات الدولية أيضا بمحاكمة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بزعم اقترافه "جرائم حرب" في أوكرانيا. ومنذ عام 2006، أقرت "إسرائيل" لأول مرة استعمال الفوسفور الأبيض في حرب لبنان (تموز 2006)، وقبل ذلك أثناء اجتياحها لبنان سنة 1982.
"القانون الدولي" في حماية شركات تصنيع السلاح
"القانون الإنساني الدولي" المتمثل في "ميثاق جنيف" لا يمنع استخدام هذه القنابل بالمطلق، بل يحرم استعمالها فقط في مناطق المدنيين، مهما كانت أغراض هذا الاستعمال، فكم بالحري حين الحديث عن مساحة صغيرة هي الأعلى كثافة سكانية في العالم. لكن "الميثاق" ذاته "يسمح" باستعمال القنابل الفوسفورية بغرض "التغطية" و"التمويه" و"تضليل العدو"، أي "كساتر دخاني واق لإخفاء العمليات العسكرية"، وليس كسلاح حربي في مناطق مدنية. وهذا يعني ترك مسألة "قانونية" الاستخدام من عدمها لأهواء القوات المحتلة، وبالتالي، توفير "ساتر قانوني دولي" للمجرمين الذين بإمكانهم دائما الإدعاء بأنهم استخدموا هذه القنابل في مناطق مفتوحة وغير مأهولة بالسكان! هذه الثغرات القانونية الفاضحة بشكل متعمد في "ميثاق جنيف" وفي ما يعرف بالقانون الإنساني الدولي، تؤكد أن القوى الغربية التي صاغت وسنت تلك المواثيق والقوانين، إثر الحرب العالمية الثانية، أخذت بالاعتبار مصالح شركاتها المختصة بتصنيع الأسلحة؛ إذ حرصت تلك القوى على ضمان استمرار إنتاج وتسويق واستخدام منتجاتها العسكرية "المحرمة" و"غير المحرمة" في كل الحالات، بصرف النظر عما إذا كان الحديث يدور عن "جرائم حرب" أو مجازر بشرية.
"سلاح إرهابي" يذيب الجلد ويحرق اللحم حتى العظام
تم رصد العديد من انفجارات الفوسفور الأبيض في الهواء، والذي أطلقته الطائرات والمدفعية الإسرائيلية، في العديد من مدن وقرى ومخيمات قطاع غزة المزدحمة بالسكان. الفوسفور الأبيض يتسبب في حروق شديدة للناس، كما أنه يحرق المباني والحقول والمواد المدنية الأخرى. أضرار هذا السلاح على المدنيين تتعاظم بسبب ارتفاع الكثافة السكانية في غزة، والتي تعد من أعلى الكثافات في العالم. ومن المعروف أن الفوسفور الأبيض يشتعل بسهولة في الهواء في درجة حرارة 30 مئوية، حيث يصعب إطفاؤه.
وكما أكد أطباء مستشفى الشفاء في غزة فإن العديد من الأطفال الغزيين فقدوا البصر بالكامل نتيجة إصابتهم بالأسلحة الإسرائيلية "المحرمة دوليا"، ومنها الفوسفورية. بعض المصابين "أُسِيلت مادة عيونهم بالكامل"، بحيث لا يمكن عمل أي عمليات تجميل. وفي حالات أخرى تفجرت الشرايين الداخلية، ما يحدث معه نزيف داخلي غير مرئي للأطباء وينتج عنه وفاة مباشرة... الحروق الناتجة عن تلك المواد تتسبب في إذابة الجلد تماما.
القنابل الفوسفورية التي استخدمتها قوات الاحتلال الإسرائيلي في غزة، تسببت في حروق مروعة للأشخاص الذين تفجرت فوقهم. العديد من خبراء القانون الدولي يعتبرون الفوسفور الأبيض سلاحا إرهابيا؛ إذ أن الفوسفور المتساقط يحترق فور احتكاكه بالجلد...وهو من نوع الحروق التي تصل العظم.
وقد تكرر الاستخدام الإسرائيلي العشوائي للفوسفور الأبيض في المناطق المزدحمة بالسكان. شظايا هذه المادة الحارقة لا تزال تحترق في بعض زوايا وأزقة القطاع.
غاز حارق درجة حرارته مرتفعة
يستخدم الفوسفور في القنابل الحارقة بسبب سرعة اشتعاله وانفجاره بمجرد ملامسته الهواء، وذلك بدلا من المغنيسيوم الذي كان يستعمل قبل الحرب العالمية الثانية لإشعال الخليط الكيميائي في القنابل الحارقة. ويصنع الفوسفور الأبيض من الفوسفات، وهو مادة شمعية شفافة ومشتعلة، لونها أبيض يميل إلى الاصفرار، ورائحتها تشبه رائحة الثوم. ويتفاعل الفوسفور الأبيض بسرعة كبيرة مع الأكسجين، فيشتعل مكونا غازا حارقا درجة حرارته مرتفعة، وغيمة دخانية بيضاء كثيفة. ويتسبب في حروق من الدرجتين الثانية والثالثة. وفي معظم الأحيان تخترق هذه الحروق جسم الإنسان ولحمه لتصل إلى العظام. وإذا استُنشِق قليلا يؤدي إلى السعال وتهيج الرئتين والقصبة الهوائية. أما إذا طالت فترة الاستنشاق فيُحْدِث جروحا في الفم وكسرا في عظمة الفك.
تهديد كبير على الصحة والبيئة والتربة
تلوث قطاع غزة بالفسفور الأبيض يشكل تهديدا كبيرا على الصحة العامة والبيئة، ومن المتوقع أن يترسب في التربة، فضلا عن ترسبه في البحر، وتحديدا في الكائنات البحرية والأسماك في المنطقة.
وفي الواقع، لا تعد "إسرائيل" الدولة الوحيدة التي استخدمت القنابل الفوسفورية، بل سبق أن استخدمتها القوات الأميركية أثناء الحرب العالمية الثانية وفي حرب فيتنام أثناء مطاردتها للثوار. كما استخدمتها تلك القوات في العراق، وتحديدا لدى هجومها على مدينة الفلوجة في تشرين الثاني 2004. وقد عرضت آنذاك فضائية إيطالية شريطا وثائقيا بين صور ضحايا القصف بالفوسفور الأبيض الأميركي، وشهادات لجنود أميركيين أقروا باستخدام جيشهم لهذه السلاح الفتاك.