رغم أهمية قرار محكمة العدل الدولية بقبول طلب جنوب افريقيا اتهام اسرائيل بجريمة الابادة الجماعية لسكان قطاع غزة، فإن عدم النص على ضرورة وقف الحرب كما جرى مع أوكرانيا على سبيل المثال، يشير إلى أن منظومة العدالة الدولية أمام امتحان حقيقي، فهذه المنظومة لم ترتقِ بما يكفي للاستجابة إلى متطلبات العدالة ذاتها، و إلى مطالب الرأي العام للشعوب المنتفضة ضد حرب الابادة الاسرائيلية والمطالبة بوقفها، كما أن هذا الخلل الذي قد يهدد مصير القانون الدولي ومنظومة العدالة الدولية، لم يعد مقتصراً على فلسطين وحدها، بل هو قضية شعوب الانسانية برمتها، وهو ما يتطلب بناء استراتيجية فلسطينية متكاملة باعتبارها جزءاً ومركزاً لمعسكر العدالة الانسانية الكونية في مواجهة معسكر الابادة ومخلفات الاستعمار القديم والجديد، والتي تشكل العنصرية الصهيونية للاحتلال الاسرائيلي مركزه الأكثر بشاعة في العصر الحديث.
استراتيجية موحدة لوقف الحرب ومواجهة التصفية
بناء مثل هذه الاستراتيجية في فلسطين لا يمكن انجازه دون وحدة مختلف مكونات الشعب الذي يتعرض لهذه الابادة وخطر التطهير العرقي، والذي لم يعد مجرد خطط في الادراج. والسؤال الموجه اليوم لمجمل أطراف الحركة الوطنية المنضوية في إطار منظمة التحرير، و التي لم تعد لشديد الأسف، في ظل واقعها الراهن والاصرار على تهميش دورها وتقويض مكانتها كإتلاف عريض وجبهة وطنية لقيادة النضال الوطني، ذات صلة بهذه التحديات، على الأقل من وجهة نظر الأغلبية الفلسطينية، سيما قواها الحية والشابة من الجنسين. والسؤال الآخر هو إلى متى ستظل القيادة المتنفذة تدفن رأسها في الرمال وتبلع لسانها، دون أي مبادرة أو خطة أو موقف لمواجهة هذه التحديات المصيرية بوحدة موقف يتصدى لهذه المخططات، بل فهي ما زالت تشيح بوجهها عن أية رؤىة ملموسة تدعو دون مماطلة إلى ضم كافة القوى وخاصة القيادتين السياسيتين لحركتي حماس والجهاد إلى قيادة المنظمة و دون أية شروط مسبقة سوى المصلحة الوطنية العليا، باعتبار ذلك هو الخيار الوحيد أمام شعبنا لتعزيز صموده، وقيادة نضاله نحو انهاء الاحتلال وممارسة حقه في تقرير مصيره بما يشمل انتخابات مؤسساته الوطنية الجامعة على كافة المستويات. ولهذه الاسباب وغيرها فإن المنظمة بما تعانيه من تهميش ومن صراع فئوي على شرعيتها المفرغة من مضمونها، باتت تبدو من وجهة نظر نسبة كبيرة من الفلسطينيين، وكأنها معزولة عن الواقع و عن هموم و تطلعات الأغلبية الشعبية .و السؤال الحقيقي هو لماذا هذا الانتظار الذي لا يمكن أن يساهم في تسريع انهاء الحرب، لا بل ويساهم في جعل انهائها مرهونا بقرار من نتانياهو . والسؤال الآخر هل تعتقد القيادة المتنفذة أن قدرة الناس على الصمود ستظل ثابتة إلى ما لا نهاية دون توفير الحد الأدنى من متطلبات هذا الصمود، وفي مقدمة ذلك استعادة الأمل في قلوب وعقول المنكوبين، و بما يستدعيه ذلك من ضرورة الانحياز للارادة الشعبية بالوحدة، وبما يمكن الناس من القدرة على البقاء والنهوض بالطاقات الكلية لشعبنا لضمان اعادة اعمار ما دمرته الحرب، وهل يعلم هؤلاء الغارقون بالمصالح الفئوية أنه دون ذلك فالهجرة ستكون حل الخلاص الفردي الوحيد الذي سيجبرون على تجرع سمه ؟! وهل يدركون أن كل يوم يمر دون القيام بذلك يُبقي العدوان وخطر التهجير مفتوحان على مصراعيهما.
لقد آن الوقت بأن يًخضع جميع قادة الحركة الوطنية للمساءلة الشعبية ، فيما اذا كانوا سينحازون لارادة شعبهم وللمستقبل، الذي وبعد كل هذه التضحيات لن يقبل باستمرار أن يظل مكبلاً بقيود أوسلو، وما أفرزه من سياسة ونهج استرضاء العدو الذي يتربص بهم جميعاً، ولا يهدف سوى لتصفية قضية شعبنا. فلم يعد أمام شعبنا من خيار سوى الوحدة والصمود طريقاً للنصر والحرية .