يُعدّ العنف الاجتماعي من أبرز الظواهر السلبية التي تشهدها المجتمعات المعاصرة، لما يتركه من آثار مدمّرة على الأفراد والجماعات. فهو سلوك عدواني يتنافى مع القيم الإنسانية، ويهدف إلى الإيذاء المادي أو المعنوي، سواء كان ذلك عن طريق الألفاظ الجارحة أو الأفعال الجسدية أو التمييز أو الإقصاء. وتتجلّى خطورة هذه الظاهرة عندما تمتد إلى البيئة الجامعية التي يُفترض أن تكون فضاءً للعلم والانفتاح والتفكير الحر، لا ساحةً للصراع والعنف.
إنّ العنف الاجتماعي في الجامعة يُعبّر عن صورة من صور اختلال التوازن القيمي داخل المجتمع ككل. فقد أصبحت بعض الجامعات تشهد مظاهر متعددة من العنف بين الطلبة أنفسهم أو بين الطلبة والإدارة أو حتى بين الطلبة والأساتذة. ويُعرّف العنف الجامعي بأنه كل سلوك عدواني أو مهدّد يصدر داخل الحرم الجامعي أو في محيطه، ويؤدي إلى أذى جسدي أو نفسي أو رمزي، مما ينعكس سلبًا على المناخ التعليمي والتربوي.
وتتعدد أسباب العنف الاجتماعي والجامعي، فهي لا تقتصر على عامل واحد بل تتشابك فيها العوامل النفسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية.
فعلى المستوى النفسي، قد يكون العنف نتيجةً للضغوط الدراسية، أو الإحباط، أو ضعف القدرة على ضبط الانفعالات. أما على المستوى الاجتماعي، فيسهم التفكك الأسري، والتمييز الطبقي، والبطالة، وضعف فرص المستقبل في توليد شعور بالظلم والتهميش يدفع بعض الأفراد إلى العنف. وعلى المستوى الجامعي والإداري، فإن غياب العدالة في التعامل مع الطلبة، وضعف القوانين الرادعة، وغياب الأنشطة التي تسمح بالتعبير الإيجابي عن الذات، جميعها عوامل تغذي سلوك العنف. أما الثقافة الإعلامية الحديثة، فقد أسهمت بدورها في ترسيخ صور العنف من خلال الأفلام ومواقع التواصل الاجتماعي، مما جعل بعض الشباب ينظر إلى العنف كوسيلة طبيعية لحل النزاعات.
ولا يمكن تجاهل الآثار الخطيرة للعنف الاجتماعي والجامعي، إذ يؤثر في استقرار المجتمع وتماسكه، ويزرع الخوف وانعدام الثقة بين أفراده. أما في البيئة الجامعية، فيؤدي العنف إلى ضعف التحصيل العلمي، وتراجع الروح الأكاديمية، وتدهور العلاقات بين الطلبة والأساتذة، كما يشوه صورة الجامعة كمؤسسة معرفية تسعى لبناء الإنسان الواعي والمثقف. وعلى المدى الطويل، يسهم استمرار العنف في تكوين جيل متوتر وغير مؤمن بالحوار، مما يهدد التنمية والسلم الاجتماعي.
ولمواجهة هذه الظاهرة، لا بد من استراتيجية شاملة تتكامل فيها الأدوار بين الأسرة والجامعة والمجتمع والدولة. تبدأ هذه الاستراتيجية من التربية على التسامح والحوار منذ المراحل الأولى للتعليم، مرورًا بتعزيز قيم المواطنة والانتماء داخل الجامعة، وتوفير الدعم النفسي والاجتماعي للطلبة، ووضع قوانين واضحة وعادلة تردع المعتدين وتحفظ حقوق الجميع. كما يجب على الإعلام أن يسهم في نشر ثقافة اللاعنف والتفاهم بدلًا من تمجيد القوة والعنف في البرامج والدراما.
وفي الختام، يمكن القول إن العنف الاجتماعي والجامعي ليس قدرًا محتومًا، بل هو انعكاس لخلل في منظومة القيم والتنشئة والتواصل. ومعالجة هذا الخلل تتطلب وعيًا جماعيًا وإرادة حقيقية من جميع مؤسسات المجتمع. فحين تسود روح التسامح والاحترام المتبادل في الجامعة، تتحول من مجرد مؤسسة تعليمية إلى مدرسة حقيقية للحياة، تُخرّج أجيالًا تحمل العلم والسلوك الإنساني الراقي معًا.