لم يعد التصوير التوثيقي لمشاهد الشتاء في الأردن مجرد ممارسة جمالية أو هواية موسمية، بل بات أداة معرفية وإنسانية تسهم في توثيق التحولات البيئية، وتعزيز الوعي المجتمعي بالتغيرات المناخية، وحفظ الذاكرة البصرية للطبيعة الأردنية بتنوعها وخصوصيتها.
وفي هذا السياق، أكد مدير إدارة الأرصاد الجوية رائد آل خطاب لوكالة الأنباء الأردنية (بترا)، أن الأرصاد الجوية تُعنى أساساً برصد حالات الطقس اليومية والقصيرة المدى، إلا أن تجميع وتوثيق صور الطقس الشتوي عبر سنوات طويلة يوفر مادة داعمة لفهم التغيرات المناخية بشكل غير مباشر.
وأوضح أن مقارنة الصور الشتوية على مدى زمني متباعد تُظهر تغيرات في خصائص الطقس، مثل تكرار المنخفضات الجوية القوية، ومدى انتشار الثلوج، وشدة وكثافة الهطولات المطرية، لافتاً إلى أن تكرار هذه المؤشرات زمنياً يُعد دليلاً مناخياً وليس مجرد حالات طقس عابرة.
وأضاف أن البيانات المناخية تُظهر اتجاهات رقمية كالتناقص أو التذبذب في كميات الهطول، فيما تأتي الصور لتدعم هذه الاتجاهات بشواهد بصرية تعزز ما ترصده السجلات المناخية، مبيناً أن التغير المناخي ينعكس غالباً بزيادة الظواهر الجوية المتطرفة، مثل الأمطار الغزيرة خلال فترات قصيرة أو موجات الصقيع غير المعتادة، وهو ما تسهم الصور في توثيقه وتحليله ضمن سياق مناخي أشمل.
وشدد آل خطاب على أهمية عدم الخلط بين مفهومي الطقس والمناخ، فالصورة الواحدة تمثل حالة طقس، بينما تمثل سلسلة الصور الممتدة زمنياً مناخاً، مؤكداً أن أرشفة هذه الصور وربطها ببيانات الأرصاد الجوية التاريخية يجعلها أداة مساندة لفهم تأثيرات التغير المناخي على المملكة، ومكملاً علمياً مهماً لا يُستخدم بمفرده للحكم على الظاهرة.
من جهتها، قالت مديرة مركز الملكة رانيا العبد الله للدراسات التربوية والنفسية في جامعة مؤتة الدكتورة وجدان الكركي، إن لجوء أعداد كبيرة من المواطنين خلال الفترة الماضية إلى التصوير التوثيقي للشتاء شكّل ظاهرة لافتة تحمل دلالات معنوية واجتماعية عميقة، مارسها أشخاص من مختلف الأعمار والمستويات الثقافية.
وأوضحت أن الشتاء وانهمار الغيث، المرتبط برحمة الله تعالى، يحمل دلالات نفسية إيجابية واضحة، إذ يرتبط بذكريات الطفولة واجتماع الأسرة والطموحات المستقبلية، كما يرتبط باللاوعي الجمعي للمجتمع الأردني ذي الجذور الزراعية، ما يعزز مشاعر الطمأنينة والأمل والسعادة، خاصة أن الماء هو أساس الحياة.
وأضافت أن مشاهد المطر تثير الحواس البشرية، وتحفز مناطق متعددة في الدماغ مرتبطة بالإدراك والانفعال، ما ينعكس شعوراً بالامتنان والسعادة، ويدفع كثيرين إلى توثيق هذه المشاهد ومشاركتها، لنقل الأثر الإيجابي للآخرين، لاسيما مع سهولة التصوير والنشر عبر الهواتف الذكية.
وبينت أن هطول الأمطار بكميات فوق المعدل خلال الأسبوع الماضي عزز لدى المواطنين الإحساس بالمسؤولية، وضرورة التحذير من المخاطر المحتملة، ما دفعهم إلى توثيق مشاهد قد لا تلتقطها وسائل الإعلام، بهدف إيصالها للجهات المعنية لاتخاذ الاحتياطات اللازمة، وتحقيق الاستفادة القصوى من هذه الرحمة الربانية، خصوصاً في المناطق البعيدة عن العاصمة.
من جانبه، قال رئيس الجمعية الأردنية للتصوير حمزة الزيود إن التصوير التوثيقي يُعد فناً يقوم على نقل الواقع بصدق وأمانة، بهدف تسجيل الأحداث وتوثيقها، وتقديمها للجمهور لأغراض التعليم والتوعية وحفظ السجل التاريخي، مؤكداً أن الصدق والواقعية يمثلان جوهر هذا النوع من التصوير، مع الاكتفاء بتعديلات تقنية بسيطة لا تمس مضمون الصورة.
وأشار إلى أن التصوير التوثيقي للشتاء في الأردن يتجاوز البعد الجمالي، ليصبح وسيلة لحفظج الذاكرة البصرية للطبيعة، في ظل تنوع جغرافي فريد يمتد من الأغوار إلى الصحراء والمرتفعات، حيث تتجلى مشاهد الثلوج والضباب وتدرجات الألوان الطبيعية والآثار والمباني بصورة استثنائية.
وأكد أن الصورة الشتوية قد توثق مشهداً نادراً أو غير متكرر، كسدود ممتلئة أو جريان الأودية أو تساقطات ثلجية غير مسبوقة، ما يمنحها قيمة بحثية مستقبلية، لافتاً إلى أن الصورة الفوتوغرافية قادرة على إيصال الشعور والرسالة بصدق وسرعة تتجاوز الكلمات، فضلاً عن دورها في دعم السياحة.
وقال إن اهتمام المصورين بفصل الشتاء يعود لهدوء الإضاءة ووضوح الملامح الطبيعية ونقائها، دون تزييف أو تدخل يغيّر جوهر الصورة، مشيراً إلى أن الجمعية تنظم رحلات تصوير شتوية بشكل منتظم، إيماناً بأهمية هذا الفصل في توثيق الجمال الطبيعي للأردن.
ويرسخ التصوير التوثيقي للشتاء حضوره كجسر بين العلم والإنسان، ومرآة تعكس وعي المجتمع، وإحساسه بالمسؤولية، وحبه للوطن، حيث أن الصورة حين تُلتقط بصدق تصبح شاهداً حياً على المكان والزمان