في تطور دراماتيكي هزّ المشهد السياسي في أمريكا اللاتينية، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، قبل قليل، إلقاء القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته من داخل القصر الرئاسي، واقتيادهما إلى خارج البلاد، ضمن عملية عسكرية واسعة استهدفت العاصمة كاراكاس وعددًا من المنشآت العسكرية الحساسة داخل فنزويلا.
لماذا تلاحق واشنطن مادورو منذ سنوات؟
هذا الإعلان المفاجئ أعاد اسم نيكولاس مادورو إلى واجهة الأحداث العالمية، وفتح الباب أمام تساؤلات واسعة حول مسيرته السياسية، وخلفيات الصراع الطويل بينه وبين الولايات المتحدة، وكيف تحول من شخصية مغمورة إلى أحد أكثر الزعماء إثارة للجدل في العالم.
ترامب يعلن الاعتقال وتصعيد غير مسبوق
بحسب ما أعلنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فإن القوات الأمريكية نفذت عملية عسكرية دقيقة داخل فنزويلا، انتهت بالقبض على الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته، وترحيلهما إلى خارج البلاد، في خطوة وُصفت بأنها الأخطر في تاريخ المواجهة بين واشنطن وكراكاس.
وتزامن هذا الإعلان مع ضربات عسكرية استهدفت مواقع في العاصمة كاراكاس، ما يعكس تصعيدًا غير مسبوق في العلاقات المتوترة أصلًا بين البلدين، ويؤشر إلى مرحلة جديدة من الصراع السياسي والعسكري في المنطقة.
من هو نيكولاس مادورو رئيس فنزويلا؟
نيكولاس مادورو موروس، وُلد في 23 نوفمبر عام 1962 في العاصمة الفنزويلية كراكاس، وينحدر من عائلة متواضعة، وقبل دخوله عالم السياسة، عمل سائق حافلة، وبرز نشاطه مبكرًا في العمل النقابي، وهو ما شكّل نقطة التحول الأولى في مسيرته العامة.
انضم مادورو إلى الحركة البوليفارية التي أسسها الرئيس الراحل هوغو تشافيز، وكان من أقرب حلفائه وأكثرهم ولاءً، الأمر الذي مهد له الطريق للصعود السريع داخل هياكل السلطة في فنزويلا.
الحياة الشخصية ودور الزوجة في مسيرته
نيكولاس مادورو متزوج من سيليا فلوريس، وهي شخصية سياسية وقانونية بارزة في فنزويلا، لعبت دورًا مؤثرًا في مسيرته، واشتهرت فلوريس بدفاعها عن هوغو تشافيز عقب اعتقاله عام 1992، كما أصبحت لاحقًا أول امرأة تُنتخب رئيسة للجمعية الوطنية الفنزويلية بين عامي 2006 و2011.
وجود فلوريس إلى جانبه منح مادورو دعمًا سياسيًا وقانونيًا قويًا، خاصة خلال المراحل الأكثر تعقيدًا في حكمه.
من البرلمان إلى قمة السلطة
بدأ مادورو مسيرته السياسية رسميًا بعضويته في الجمعية الدستورية، ثم انتُخب عضوًا في الجمعية الوطنية، قبل أن يتولى رئاستها عام 2005، وفي عام 2006، عيّنه الرئيس هوغو تشافيز وزيرًا للخارجية، وهو المنصب الذي شغله حتى وفاة تشافيز عام 2013.
وفي أكتوبر 2012، اختاره تشافيز نائبًا للرئيس، في خطوة اعتُبرت آنذاك إشارة واضحة إلى أنه الخليفة المحتمل له، خاصة مع تدهور الحالة الصحية للرئيس الراحل.
خلافة تشافيز وبداية الأزمات
مع اشتداد أزمة مرض السرطان التي عانى منها هوغو تشافيز، تصدر نيكولاس مادورو المشهد السياسي في فنزويلا، وأصبح الوجه الأبرز لإدارة شؤون الدولة، وبعد وفاة تشافيز عام 2013، فاز مادورو في الانتخابات الرئاسية، ليبدأ مرحلة جديدة اتسمت بالأزمات الاقتصادية والسياسية الحادة.
ومنذ توليه الحكم، واجه مادورو احتجاجات واسعة، وانهيارًا اقتصاديًا غير مسبوق، وتراجعًا حادًا في قيمة العملة، إضافة إلى نقص الغذاء والدواء، ما دفع ملايين الفنزويليين إلى الهجرة.
واشنطن ومكافأة الـ25 مليون دولار
الصدام بين مادورو والولايات المتحدة لم يكن وليد اللحظة، ففي عام 2020، أعلنت واشنطن عن مكافأة مالية كبيرة مقابل معلومات تؤدي إلى اعتقاله، قبل أن ترفعها لاحقًا إلى 25 مليون دولار، بالتزامن مع أدائه اليمين الدستورية لولاية رئاسية ثالثة مدتها ست سنوات.
وبررت الإدارة الأمريكية هذه الخطوة باتهامات تتعلق بالمخدرات والفساد، حيث اتهمت مادورو بقيادة ما وصفته بـ"إرهاب المخدرات”، وبإغراق الولايات المتحدة بالكوكايين واستخدام المخدرات كسلاح للإضرار بصحة الأمريكيين.
عقوبات ووصف بـ«الديكتاتور»
فرضت الولايات المتحدة سلسلة من العقوبات الصارمة على مادورو، خاصة بعد تصويت مثير للجدل لتشكيل جمعية وطنية جديدة، وخلال ولاية ترامب السابقة، وصفه البيت الأبيض علنًا بـ"الديكتاتور”، معتبرًا أن حكمه يفتقر إلى الشرعية الديمقراطية.
في المقابل، كان مادورو يرفض هذه الاتهامات جملة وتفصيلًا، ويؤكد أن بلاده تتعرض لحصار اقتصادي وسياسي يهدف إلى إسقاط نظامه والسيطرة على ثروات فنزويلا النفطية.
ماذا بعد إعلان الاعتقال؟
إعلان ترامب اعتقال مادورو من داخل قصره يفتح الباب أمام مرحلة غامضة في تاريخ فنزويلا، ويطرح تساؤلات مصيرية حول مستقبل السلطة، ورد فعل الجيش، وموقف حلفاء كاراكاس الإقليميين والدوليين.
وبين من يرى أن ما جرى يمثل نهاية حقبة سياسية طويلة، ومن يعتبره بداية فوضى مفتوحة، يبقى اسم نيكولاس مادورو حاضرًا بقوة في قلب الأحداث، باعتباره أحد أكثر القادة إثارة للجدل في القرن الحادي والعشرين.