تعرض القضايا العامة للنقاش سعيًا لإيجاد الحلول وهو فعل يحمل المسؤولية المجتمعية، فحين تُطرح الشؤون العامة بلغة مهذبة، وعقل منفتح، واحترام لتعدد الآراء، يتحول النقاش إلى مساحة بناء لا ساحة صراع، فالأدب في الطرح لا يُضعف الفكرة، بل يمنحها قوة وشرعية، ويجعلها أقرب إلى الإقناع وأبعد عن التشويه، ومن هنا، فإن من يناقش القضايا العامة بأدب إنما يمارس حقًا مشروعًا، ويسهم في ترسيخ ثقافة الحوار التي تُصحح المسار وتخدم الصالح العام.
وفي هذا العالم الأزرق، نصحو كل يوم على عنوان جاذب، وتصريح صاخب يستفز العقول، وقرار يُسوَّق على أنه "ضرورة وطنية"، بينما جوهره ليس سوى التفاف على الحقيقة، أو محاولة يائسة لستر إخفاقات قديمة بضجيج جديد يُراكم الفوضى بدل أن يعالجها.
القضية الرئيسية ليست في كثرة الأزمات والتحديات، بل في طريقة إدارتها والتعامل معها......حين تُدار القضايا بعقلية الخوف لا بعقل الدولة، تتحول العدالة إلى أداة، والقانون إلى عصا، والرأي إلى تهمة...... عندها يصبح السؤال البسيط جريمة، والنقد خيانة، والمطالبة بالحق وقاحة يعاقب عليها.
الأخطر من هذا كله، هو من يتاجر بها ويستخدمها أولئك الذين يشعلون النار ثم يقفون أمام الكاميرات بملامح المنقذين يرفعون صوتهم باسم النظام والقانون، وهم أول من يخرقه، ويتحدثون عن الاستقرار، وهم من يزرع القلق والضجيج.......يطالبون بالصمت، لأنهم يخشون الحقيقة لا الفوضى.
في القضايا الساخنة، تُختبر الدول لا الشعوب.....الشعب يسأل لأنه متألم، يعترض لأنه متضرر، ويغضب لأنه مُهمَل بحق نفسه. أما الدولة الحقيقية، فهي التي تسمع قبل أن تقمع، وتُصلح قبل أن تُعاقب، وتُدير الخلاف قبل أن تُحوّله إلى أزمة.
صرنا نعيش زمنًا متقلبا نطارد فيه تعليقًا على منصة، ونصنع منه قضية عظيمة، بينما نغضّ الطرف عن الفساد الذي يمشي بيننا ببدلات رسمية، ونعاقب من يتكلم لأن صوته مكشوف، ونتجاهل من يخطئ لأن نفوذه محصّن...... نختار الضعفاء كبش فداء لأنهم الأسهل، لا لأنهم المذنبون، ونسمّي ذلك "نفوذ” وهو في الحقيقة عجزٌ عن الإصلاح. في هذا المشهد، لم يعد الخطر في الكلام، بل في الصمت الذي يحمي الخطأ، ويحوّل العدالة والإصلاح إلى شعار يُرفع فقط عند الحاجة.
وحين تبلغ القضايا حدّ الفوضى، لا يعود السؤال: من أشعل النار؟ بل من تركها تلتهم كل شيء، فالحرائق الكبرى لا تبدأ بشرارة واحدة، بل بصمت طويل، وتواطؤ ناعم، وضمائر آثرت النوم على المواجهة.
لسنا بحاجة إلى مزيد من القضايا المشتعلة، بل إلى شجاعة إطفائها .... نريد شفافية حقيقية، محاسبة بلا انتقائية، واحترام لعقل الإنسان لأن أخطر ما يمكن أن يحدث، ليس أن تسخن القضايا… بل أن يبرد الإحساس بالعدالة.